واليسار ، إنّها دار خديجة بنت خُوَيْلد ، التي عاش محمد فيها منذ الزواج .
وهي منخفضة الأرض ، يرتفع عنها الطريق ببضع درجات « 1 » ، يصعد فيها قاصدها إلى ممرّ ، على يساره مصطبة طولها عشرة أمتار ، وعرضها أربعة ، وارتفاعها قدم واحدة ، فإذا اتّجه فيها يميناً فثَمَّ درجتان تؤديّان إلى طرقة ضيقة ، ذات ثلاثة أبواب .
أول هذه الأبواب يقع في الناحية اليسرى ، ويقود إلى غرفة صغيرة كانت محراباً لرسول اللَّه ، يقضي فيه ساعات من الليل ، وأحياناً من النهار ، في تعبّدٍ وتأمّلٍ وخشوع ، والثاني الأمامي منها يصل إلى بهوٍ متّسعٍ ، هو مخدع الزوجين ، والثالث - بالجانب الأيمن - لغرفة مستطيلة فسيحة كانت لبنات الرسول .
وعلى طول امتداد المسكن ، من الجهة الشمالية ، فضاء فسيح ، مرتفع عن الأرض بعض ارتفاع ، كان لاستقبال الضيفان .
وليس مسكن النبي ها هنا بدار هجرته كهذا ولا كذاك ، إنّه نوع من المساكن ، ما نرى سوى أنّ طبيعة الرسالة الإلهية - قبل ظروف البيئة - هي التي دعت إلى اقتطاعه من مسجد المدينة ، أو إلحاقه به ، على نفسه طراز المعمار .
بخلاف ما يومئ إليه اللفظان ، لم يكن كلاهما مطابقين لمعنييهما اللذين ترسمهما الحروف . . . فلا دور « 2 » البيت كان مقتصراً على المبيت ، ولا دور المسجد على السجود ، بل كانت الدار بؤرة إشعاع النور ، غالباً كانت مهبطاً للوحي ، منفذاً لتسامي الأرض نحو السماء ، كثيراً كانت تعقد به أهمّ اللقاءات بين محمد وصحبه أو مشيريه ، أحياناً كانت تُبرم فيه أخطر الأُمور ، مراراً عديدة كان يستقبل به وفود الباحثين عن اللَّه ولم يكن المسجد مجرّد مكانٍ لإقامة شعائر الصلاة ، فالأرض كلّها مسجد ، وأينما التقت جبهة خاشعة بمهاد طاهر من قماش أو إهاب أو حصير أو حجر أو حصباء ، فثمّة وجه ربّك ما دام اللَّه في القلوب .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق . ( المؤلّف ) .
( 2 ) . الدَوْر : كلّ فسحة تحيط بها الجدران .