حتّى هذا المهجر الكريم المضياف الذي فتح ذراعيه محتضناً رسالة السماء ، آوياً محمداً والذين معه ، ومانعهم ممّا يمنع منه أهله نساءهم وأبناءهم بحدّ السلاح ، وقوة المال ، وقطر الدماء . . . حتّى هذا المهجر تغيّر أيضاً كياناً وظلالًا ، وأصلًا وخيالًا ، فإذا اللَّه الواحد في القلوب ، وإذا الشريعة السمحة في العقول ، وإذا الشيطان الرجيم تحت الأقدام .
غمره نور الإيمان .
كما آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار ، ربط بين أُولئك وهؤلاء وبين جيرانهم من بني إسرائيل ، برباطٍ من حلفٍ لبّه : حرية الاعتقاد ، والودّ ، والتآزر ، والمساواة . . . حين الحرب وحين السلام .
وكتب بذلك عهداً أبرمه ، وأبرمه معه الفريقان المتجاوران ، جاء فيه : « لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم : مواليهم وأنفسهم إلَّامن ظلم » .
وجاء : « من تبعنا من يهود فإنّ له النصر والأُسوة ، غير مظلومين ، ولا متناصر عليهم » .
وجاء : « على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وإنّ بينهم النصح والنصيحة البرّ . . . » .
وجاء : « اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين » .
واستوثقت عندئذٍ فاطمة ، وتبيّن الناس : أنّ الإسلام ليس كغيره ممّا سبقه من الملل مجرّد شعائر تؤدّى ، وعبادات تُقام ابتغاء الفَلْج « 1 » يوم النشور كما يظنّ ظانّون ، بل هو أُخرى ودنيا ، دين ودولة ، بؤرتهما هذه البلدة التي لن تلبث أن تشعّ على كوكبنا الأرضي ، في مختلف أرجائه ، من الهدى والمعرفة والعمل الصالح ما ينفع البشر في دارَيْ الفناء والبقاء .
* * *
هامش
( 1 ) . الفَلْج : الظفر .