كان حبشيّ السمرة كغمامة ظلّ ، قاتم اللون كغسق « 1 » الليل .
فهل أخّرته مثل سَمْك « 2 » شعرة غواشي « 3 » الرقّ والجلد والجنس عن مقامه ذاك في مقدّمة أهل الإسلام ؟
بل كان صوته النديّ العذب يلعلع « 4 » بنداء السماء ، فيخفّ جمع المسلمين ملبّين ، يلتئمون صفوفاً ، كلّ صفٍّ كأنّه بنيان مرصوص ، اتّحد فيه الحجر باللبن بالحصباء بالرمال بالمِلاط « 5 » بغيرها من مواد التشييد ، فتوطّد أساساً ، واشتدّ مراساً ، وثَبُت دعائم ، ورَسُخ قوائم ، وتماسكت جدرانه ، وصَلُبت أركانه ، وشمخ شموخ صَرْحٍ ممرّد « 6 » ، رفيع الذرى والعماد .
أو كأنّهم كانوا وكلّ صفٍّ من صفوفهم عقد منظوم ، ممدود غير معقود ، من زَبَرْجَد « 7 » ولازُوَرد « 8 » ، ومن يَشْبٍ « 9 » وياقوت ، ومن يُسْر « 10 » ودُرّ ، ومن لؤلؤٍ ومرجان إن تكن حبَّاته التي يجملها سلكه قد تعدّدت جوهراً وأصلًا ، وتفاوتت مظهراً وشكلًا ، فإنّها قد تناسقت أحجاماً ، وتساوقت نظاماً ، وتواترت أنواعاً ، وتآلفت شعاعاً كماء ينبوعٍ صافٍ ، يتنضّد حبابه ، ويتوحّد انسيابه ، حتّى يكون كوجه مرآة جلواء ، أو يكون كمثل ألوان الطَيف ، تتداخل وتتذاءب ، فإذا هي غلالة ضياء .
* * *
هامش
( 1 ) . غسق الليل : ظلمته .
( 2 ) . السَمْك : قامة كل شيء ثخين صاعد .
( 3 ) . الغواشي : جمع غشاء ، وهو الغطاء .
( 4 ) . يلعلع : يصوّت .
( 5 ) . المِلاط : جمع المُلُط ، وهو الطين الذي يُطلى به الحائط .
( 6 ) . ممرّد : صافٍ ، مصقول .
( 7 ) . الزَبَرْجَد : حجر كريم يشبه الزُمرّد أشهره الأخضر .
( 8 ) . اللازُوَرد : معدن نفيس يتّخذ للحُلي ، وأجوده الشّفاف الأزرق .
( 9 ) . اليَشب : حجر كريم يشبه الزبرجد ، لكنّه أصفى منه .
( 10 ) . اليُسر : ضرب من الأحجار الكريمة .