وامتلأت فاطمة عندئذٍ بشعورٍ غامرٍ من التفاؤل وراحة البال .
فما أن هدأ بها المستقرّ حتّى شهدت المسلمين - وإنّهم لحركة دائبة - يسعون بكلّ الثقة والاعتداد إلى الانتشار فوق وجه الجزيرة ، منساحين « 1 » على الحزون « 2 » والهضاب ، في السهول والوديان ، بين الفجاج والشعاب ، انسياح الشعاع من قرص الشمس ساعة الشروق .
كمثل أرضٍ طيّبةٍ - تلكم الأرجاء - غرست يد القدر فيها أعواد زنابق تعهّدتها غيوث العزائم بالسقيا ، فإذا هي زهرات بيضاء ، نقيّة نقاء الإيمان
« كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ »
« 3 » أينع الجنى ، وطابت الثمار .
أجل ، تبدّلوا بعد هجرتهم حالًا بحال .
بيئتهم الآن سلام ، أهلها وحّدوا اللَّه فوحّدهم اللَّه ، لا تمزّق بينهم ولا تفرّق . . .
لا شقاق ، بل وفاق . . . لا أوس لا خزرج ، بل أنصار .
على قلوبهم مسح الإيمان بكفّه العطوف ، ونزع ما في صدورهم من غلٍّ ، فنسوا سخائم « 4 » الأجيال . من لغتهم محا الحدّ الفاصل بين الغربة والقربة ، فتقاسموا أسباب حياتهم مع الضيفان .
لا قبلية . . . فلا تنابز بالأسماء والألقاب .
لا طبقية . . . فلا تطاول بالوجوه والأحساب .
لا عصبية . . . فلا تفاخر بالأُصول والأنساب .
فيهم الروميّ ، وفيهم الحبشيّ ، وفيهم العربيّ ، وفيهم الزنجيّ . . . ومنهم من امتدّت بهم جذورهم الأُولى إلى الوراء حتّى يعقوب .
هامش
( 1 ) . منساحون : منتشرون كما ينتشر التراب لمّا يُذرى .
( 2 ) . الحَزون : الأمكنة الوعرة المرتفعة ، والحُزنة : الجبل الغليظ .
( 3 ) . البقرة : 265 .
( 4 ) . السخائم : جمع سخم ، وهو السواد .