لكنّهم جميعهم سواء ، في مجتمعهم الناشئ هذا لا اعتبار للعناصر والأبشار . . .
الأصفر كالأحمر ، الأبيض كالأسود ، العبد كالسيد .
وكلّما قطعت الشمس بهم - في رحلتها اليومية - شوطاً على مدرجة الأُفق ، نهض من بينهم رجل منهم ، ليس سواه ، مؤذّناً للصلاة .
خمس مرّات ، من انبثاق خيوط الفجر إلى انسدال ستارة الظلام ، كانت حنجرته الذهبية تترنّم بنداء التوحيد ، داعية القريب والبعيد أن يخفّوا - قياماً وركوعاً وسجوداً - إلى الالتقاء باللَّه .
أحياناً كان يدعوهم تارة أُخرى أو تارات ، على غير ميقات ، إن جدّ أمر ، أو حزب حازب « 1 » ، أو تنزّل بيان من ربّهم ورأى النبي أن يدعوهم من أجله للاجتماع .
وكانت فاطمة تعرف داعي السماء ، تعرف أنّه بلال بن « رباح » ، وأنّه بلال بن « حمامة » إن شِيءَ أن يُنسب الناس إلى الأُمهات دون الآباء ، وتعرف أنّه كان صخرة إيمان أوهت قرون ثيران الشرك ، فلم يستطيعوا بجبروت التعذيب أن ينالوا من صلابته أيّ منال .
لم تردّه عن طريقه لسعات السياط تشقّ في بدنه العاري شقوقاً غائرة تكاد تصل إلى العظام ، ولم تصبئه « 2 » نار الرمضاء ، ولم تفتنه قسوة السلاسل والقيود والأغلال ، تشدّ على يديه وقدميه وعنقه حتى لتوشك أن تمزّقه أشلاء .
كان عنيداً كذُبابة ، ثابتاً كالجبل ، صلباً كالماس . . . فإلى اللَّه ربّ العالمين مماته ومحياه .
وكانت تعرف أنّه - بنظرة القوم العادين - أنقاض عبد مملوك ، وحشي العنصر والمظهر ، لا يُحسب شيئاً في الأُصول والجذور .
هامش
( 1 ) . حَزَب حازب : أصابه أمر شديد .
( 2 ) . تصبئه : تفتنه .