العيون ، ثم انتفضوا غاضبين ، ثم تلوّنت ملامحهم بالسواد والشحوب : السواد من حقدٍ ، والشحوب من شعورٍ بالذلّة والهوان .
كلّا ، لن يدعوه . . . هذا الفتى الذي وطأت رؤوسهم قدماه لا ينبغي أن يسلم من عقاب إن لم يكن من عذاب .
فليقطعوا إذاً عليه الطريق ! وليردّوه صاغراً « 1 » مطأطأ الجبين ، وليكن عبرةً لكلّ من تحدّثه نفسه بخرق الأعراف التي جعلتهم في الأرض سادةً جبّارين ، لا تسبق أيديهم أيد ، ولا تسمع مع أصواتهم همسات ، ولا تعلو فوق هامهم هام .
وصرخ فيهم أبو جهل بن هشام : عليَّ بجناح !
فجيء له على الفور بهذا المولى المرقوق ، الذي كان يُحسب لديه في أئمة الصناديد الشجعان ، وأمره عدوّ اللَّه . . . فانصاع .
خرج على رأس كوكبةٍ من الفرسان ، ومعهم الحويرث بن نقيذ ، ملثّمين ، يطاردون ركب عليٍّ والهاشميات .
فلمّا أن ضربوا قليلًا في طريق الشمال ، وتبيّن لهم رَهَج « 2 » أُولئك الرَكب المهاجرين في اللَّه ، أركض « جناح » نحوهم فرسه كأنّما يطير بجناح ، حتّى دخل وفرقته الباغية في غلالة الغبار .
ثم دنا وتدلّى . . . ثم صار قاب قوسين أو أدنى ، ثم صاح : يا بن أبي طالب ، أظننتَ أنّك ناجٍ بالنسوة ، لا أبا لك ! ارجع بهنّ .
فلم يزد الفتى على أن رمقه بنظرةٍ شزراء « 3 » ، وقال بهدوء : « فإن لم أفعل ؟ » .
- لترجعن صاغراً !
هامش
( 1 ) . الصاغر : الذليل .
( 2 ) . الرَهَج : الغبار .
( 3 ) . نظرة شزراء : الغاضبة .