فلا يكاد يطيق لمسةً رقيقةً من بنان رخص « 1 » ، أو طرف أصبعٍ ليّنٍ كأوراق الوردة .
بل كان أنكى وأشدّ . . . كان أكثر فرياً من صوارم الهند ورماح الحبشان .
فأين إذاً طواغيتهم التي أغرتهم بالاستكبار ؟ أين العزّى واللّات ؟ أين مناة الثالثة الأخرى وغيرها من أربابهم المصنوعة التي ظلّوا لها عمرهم عاكفين ؟
وماذا أجدى عليهم ما استعانوا من نفث السَحَرة وزمزمة الكُهّان ؟ وفيم ما قدّموا لأصنامهم تلك من قرابين ؟
وكيف ، هكذا ، خذلتهم آلهتهم كأن لم يجأروا « 2 » لها بالدعاء ، ولم يزاولوا في محاريبها طقوس تعبّدهم التي ألهبت أكفّهم بالتصدية ، وأحرقت حناجرهم بالمكاء ؟
ولم يكن حقدهم على الشاب وليد مقتهم إيّاه إذ هو ابن عمّ عدوّهم الذي أذاقهم مرارة الخذلان ، ولا لأنّه حبيبه وربيبه ، ولا لأنّه أول امرئٍ في العالمين أسلم ، وآزر الرسول يوم لم يكن له في عشيرته الأقربين نصير ، ولا لأنّه هو الذي جازف بحياته ، وقدّمها فداءً لرسول اللَّه عندما نام دونه في سريره ، ملتحفاً ببرده ، والشواهد كلّها تدلّ على أنّه لا محالة مقتول .
فلعلّ من القوم من يقرن فتى أبي طالب بفتى إبراهيم ، فما تردّد كلاهما لحظةً عن تلبية دعوة ربّه إلى التضحية بالروح إبراهيم أبو الأنبياء ، قال لولده عن أمر اللَّه :
« يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى . . . »
.
فلم يتردّد الابن لحظةً واحدةً ، بل أجاب :
« يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ »
« 3 » وأسلم على ثرى « ثبير » رقبته للسكّين .
ومحمد أمر ابن عمّه - بأمر ربّه - أن يبيت عنه في فراشه ليردّ عنه عادية الاغتيال . . . فأسرع يلبّيه ، وكلمات النبي ما زالت عالقة بجوّ المكان ، ورقد حيث أمر ، مسلّماً جسده كلّه لأسياف المشركين .
هامش
( 1 ) . البنان : أطراف الأصابع ، والرَخص : الناعم .
( 2 ) . الجؤار : الصياح .
( 3 ) . الصافات : 102 .