أن يلدغ أحدهما أو الآخر هذا من عدوّه أو ذاك حتّى تحمرّ الأرض ، وتتهاوى الأجساد كأنّها جذوع نخلٍ منقعر « 1 » ، أصابها حاصبٌ « 2 » فاقتلعها من الجذور .
وكم قطَّ « 3 » يومئذٍ من أعناق !
وكم قطع من أوصال !
أمّا قوتهم فتبدّدت في الفضاء ، وأمّا كبرياؤهم فديست تحت الأقدام ، وأمّا مثواهم فكان القليب .
ونعقت في ديارهم بمكة الغُربان ، ونعب بمجالس سحرهم وأندية لهوهم البومُ .
فلقد أملهم اللَّه ، فلم يزدهم الإمهال إلَّالجاجاً في الضلال ، سلّط عليهم غرورهم ، فأغواهم الاستكبار ، أعماهم عن مزالق القضاء ، طمس على عقولهم فإذا هي خواء ، وعلى أفئدتهم فإذا هي هواء فما أغنى عنهم أن كانوا ذوي مالٍ وجاهٍ وبنين ، وما رحمتهم رحى الوغى الساحقة ، وما بكت عليهم السماء . . . فلئن غمّ عليهم مصيرهم هذا ، فلقد غمّ إلى حين ، ولسوف يعلمون !
* * * وخرج عليٌّ من بينهم على غير استخفاء ، وكانوا ناكسي الهام ، منطفئي النظرات .
فالخزي أسلمهم إلى ما يشبه السبات ، والغلّ « 4 » في قلوبهم يفور ، ولكنّه لا يجد متنفّساً فإذا هو حبيس وراء ملامحهم الباسمة ، كالبخار يمكن أن ينبجس « 5 » من المرجل صمّام ثابت شديد الإحكام .
ولحظة أن هزّهم القلق كما تهزّ الحصاة صفحة بركةٍ آسنة « 6 » ، تلاوموا برمق
هامش
( 1 ) . منقعر : منقلع من الأصل .
( 2 ) . الحاصب : الريح الشديد .
( 3 ) . قطّ : قطع .
( 4 ) . الغلّ : الحقد والضغينة .
( 5 ) . ينبجس : يفجر ويخرج .
( 6 ) . آسنة : ساكنة .