وتكرّر ما حدث للغلام الجدّ فيما حدث للغلام الحفيد .
* * * استشعرت قريش وهي راغمة الهوان كلّ الهوان في بقاء عليٍّ بمكة ، وهو يخايلهم ذهاباً وجيئةً ، بقامته المربوعة ، وجسده القويّ ، وملامح وجهه المضيئة التي تلوّنت بالاستهزاء .
نظراته التي كانت تتطاير عليهم شزراً « 1 » من جانبيّ عينيه ، تبدّت لهم كبقايا من حفنة التراب الذي ذرّه على رؤوسهم رسول اللَّه ، وعلقت بشعرهم لا تبرح ، فلا يذروها عصف الرياح والأعاصير ، ولا تغسلها مياه البحار والأمطار .
كانوا يحسّونه جرحاً غائراً « 2 » في جبين كرامتهم لا يفتأ ينزّ « 3 » بالدماء ، أو طعنةً نافذةً إلى السويداء ، أو وشَم ذلهٍ نقشته إبر القدر على بواطن الجفون !
وكيف لا وهو يذكّرهم هزيمتهم النكراء أمام محمد وهو فرد أعزل ، وهم أُمة ذات أعداد وعتاد ؟
إنّه التحدّي الحيّ الذي خلّفه النبي تحت أبصارهم وأنفهم بالبلدة الحرام ، ليكون المرآة التي يرون على صفحتها أنفسهم أخلاطاً شوهاء من الخسر والقلق والضياع .
فكذلك كان !
ولو أنّهم وسّعوا أُفق مرائيهم الذهنية ، لتبيّنوا طريقاً جديداً يقودهم إلى المستقبل القريب . . . لو دقّقوا نظرة الفكر في أمر هذا الصغير ، وتعمّقوا مخايلة ، إذن لتبيّنوا من حقيقته ما غفلوا عنه أو جهلوه .
لو اطّلعوا على ظهر الغيب ، لشهدوه بعد عامٍ - وإنّه عندئذٍ لغلام - يستقبل حشود صناديدهم ، شاهراً سيفاً ، وأحياناً سيفين ، بيُمناه ويُسراه ، كأنّهما ثعبانان يتلوّيان ، ما
هامش
( 1 ) . الشَزَر : الغضب .
( 2 ) . الغائر : العميق .
( 3 ) . ينزّ : يسيل .