وانتصر الحويرث بن نقيذ على الدابّة العجماء . . . وجفل « 1 » البعير ، وألقى عن ظهره راكبتيه : فاطمة وأُم كلثوم .
فإن يكن الجبان قد نفّس آنئذٍ عن بعض شرّه ، وانقلب إلى قومه وهو بفعلته الخسيسة قريرٌ تيّاه ، ففخره جفاء ، كرغوة ماءٍ أو فقاعة هواء . . . ذلك أنّه وإن طال المدى ، لن يلبث أن يجني ثمر الشرّ ، ويلقى جزاء ما سوّلت نفسه ، وقدّمت يداه .
والأيام ممدودة . . . والأيام قدور ، والعمر أمامه فسيح .
ولحظة أن يحين حينه ، سوف تخترمه « 2 » المنون على ظُبة « 3 » سيف ظنّ أنّه قد أفلت من ضرباته الماحقة « 4 » ، فيلقى مصرعه بيد عليٍّ يوم الفتح الأكبر ، بعد ثمانية أعوام .
* * * ويبلغ الركب « يثرب » ، ويلتئم الشمل إذ يلتقون بالرسول .
فالوجوه مشرقة ، والعيون أنجم زهر ، وخفق القلوب أغاريد ، ولم يكن في الضياء الذي شعّ منهم إلَّاخطوط ظلالٍ تمسّ محيّا عليٍّ مسّاً خفيفاً ، وتلقي عليه لوناً باهتاً من وجوم كأنّه بعض وعثاء « 5 » الطريق الطويل .
ليس هذا وليد غضبه من تطاول « جناح » ، ولا صدىً لبقيّة ألم تعتوره ؛ نتيجةً لما أصاب فاطمة وأُختها من جفلة البعير . . . ولا أثارة أسفٍ تخامر نفسه إذ فاته شهود الحفاوة البالغة التي استقبلت بها المدينة محمداً ، واحتوته في أحضانها احتواء أُمٍّ رؤوم بوليدٍ أهلّ على دنياها بعد عقم وطول انتظار .
وأحسّ الرسول بما يكتمه ابن عمه عنه من لاعجة « 6 » ضيق ، يتحرّج أن تنفرج
هامش
( 1 ) . جَفَل : فرّ مسرعاً .
( 2 ) . اخترم : اقتطع ، استأصل .
( 3 ) . ظُبة السيف : حدّه .
( 4 ) . الماحقة : الهالكة .
( 5 ) . الوعثاء : المشقّة ، التعب .
( 6 ) . اللاعج : كلّ ما يحرق الجلد ، من الضرب أو الهمّ ونحوهما .