تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
وهو يركن إلى الهرب - ينخس أدنى الأباعر إليه نخسةً عشوائية ، ثم يطير لائذاً بالنجاء « 1 » . . . وتلك شيمة جبان إنّه الحويرث بن نقيذ ، كان مفتوناً بادّعاء البطولة ، مولعاً بالإيذاء ، كلّ ما كان يعنيه أن يُظهر الغَلَبة على شيءٍ ما . . . على إنسانٍ أو على حيوان . ولو أعوزه أن ينال بقدرته « البطولية ! » هذه ذات روحٍ تضطرب فيها الحياة ، فربّما - كتيس « 2 » أحمق - نطح الجبل فأوهى قرنَيه ، لا لغايةٍ إلَّاأن ينفّس عن بعض مخزون الشرّ الذي يملأ جوفه ، وتكاد تنفجر بضغطة رئتاه . . . أو ربّما ضرب بسيفه الهواء مثخناً في مرئيات موهومة ، وأشباح بلا وجود ولا كيان إلَّافي خياله المخبول ، ليؤكّد لنفسه أنّه قادر على الطعن أو على مقارفة الإضرار . بلى قد لا يضيره أن يدّعي نهكةً ألمّت به ، أو يفتعل خدشاً أصابه ، ليبدو كمن أبلى بلاء الأبطال في معمعته تلك ، بغية احتلاب الانتصار ! تماماً كما نقلت إلينا - من بعدُ - أحاديث التراث : خبر « الحُطَيئة » الهجّاء ، الذي كان يستشعر متعة الظفر في ذمّ أصحاب الشرف والمكانات ، فلمّا لم يجد مرّةً عظيماً يهجوه ، نظر إلى صورته في الماء ، ثم أطلق فيها لسانه السليط :
أرى لي وجهاً قبَّح اللَّه خلقه * فقبِّح من وجهٍ وقبِّح حاملُه ! « 3 »
فضرب بقوله هذا عصفورين بحجرٍ . . . وضع نفسه ومهجويه الأماجد على مرتبةٍ سواء ، وأشبع نهمه بالهجاء ! أو تماماً كما رسم لنا « سر فانتس » في الأدب الغربي بعد قرون ، بطله : « دون كيشوت » فارساً تأخذ عليه أوهام بطولته المدّعاة كلّ منافذ تفكيره ، فيمضي منتفخ الأوداج ، ليحارب طواحين الهواء وإنّه ليراها بعين تصوّره الحولاء مقاتلين أشدّاء !
هامش
( 1 ) . النجاء : النجاة ، يقال : نجا ينجو نجاةً ونجاءً . ( 2 ) . التيس : المعز . ( 3 ) . البيت من الطويل ، وقبله :أبت شفتاي اليوم إلَّاتكلّما * بسوءٍ فما أدري لمن أنا قائلهراجع ديوان الحطيئة : 257 ، الشعر والشعراء : 240 وفيهما « شوّه اللَّه وجهه » .