ولزمت فاطمة الدار ، تغالب حنينها إلى أبيها أن يستبق بها إلى الطريق . . . وما لها لا تغالبه ، ولا تتذرّع ببقية صبر ، وإن هي إلَّابضعة أيام ثم يفد إليها من لدن الرسول وافد يبلغها أنّه أذن لها بالرحيل ؟
ربّما لم يبق سوى يوم ثم تتبعه على الطريق . . . ربّما ساعات .
فإن يكن شوقها إلى الأب الودود الرحيم جناح ، فلشوقه هو إليها ألف جناح وجناح ! بل لعلّها توشك في هذه الآونة أن ترى بعين الشعور لا برأي العين ذلك الوافد المنتظر ، وهو ينطلق من ناحية « يثرب » إلى البلدة الحرام ، ليعلن فيها للعدوّ والحبيب ، وللبعيد والقريب ، نبأ بلوغ محمد ملاذه الأمين .
بل كأنّي بها سبقت ، بوجدانها الصافي ، الخبر السارّ ، فشهدت الأنصار يخفّون كلّ صباح إلى مشارف مدينتهم الطيّبة لاستقبال شرق النور ، بل قد كادت هتافاتهم عندما طلع عليهم محيّاه ، تسري إليها على نسمة الشمال النديّة ، وهم يرحّبون به هازجين مترنّمين :
طلع البدر علينا * من ثنيّات الوداع
وردّد الكون الترنيم .