ولكلّ حزرٍ « 1 » تبرير ، ولكلّ ظنٍّ مساق .
أمّا الزهراء فكانت تتطلّع إلى لقاء أبيها بمأمنه بفؤاد شوق ، لعلّ شوقه يفوق ما قد اعتلج بفؤاد أُم موسى بعد أن وضعت وليدها في التابوت وألقت به في النيل ، خوفاً عليه من فرعون الذي كان يذبح الأبناء ويستحيي النساء . . . فلقد أوحى إليها ربّك
« أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ »
« 2 »
.
لكن شوق السيدة شوق لهيف ، فهي وإن أمنت على ولدها الوبال ، لا تعرف أيرفق به أم يقسو التيار ، ولا أيّان مرساه ، ولا كيف ستلقاه .
وهو شوق واحد : شوق أُمٍّ تعرف أنّها حرمت ابنها حتّى حين ، لعلّه يقصر ولعلّه يطول .
أمّا شوق فاطمة فشوقان : إنّه شوق ابنة إلى أب ، وشوق أُمّ إلى ابن ، في نفس الآن !
ألم تر أنّها ما فتئت - منذ انتبهت على الدنيا - ترعاه رعاية والدةٍ لوليد ، بكلّ ما يزخر بقلبها من عواطف الأُمومة المبكّرة ، وما لم يطف مثله بقلوب غيرها من الأُمهات ؟
* * * وفرغت من شأنها الفتاة ، وفرغ من شأنهم من معها بالدار ، وردّ علي لأصحاب الأمانات ما كانوا قد استودعوا رسول اللَّه وهو بينهم مقيم .
فالعجب لقومٍ ائتمنوه - دون غيره من كبارهم وسادتهم ومشيخة ملّتهم - على الثمين والنفيس من عروضهم ، إذ عرفوه أمين اليد ، أمين العهد ، أمين الرأي ، ثم إذا هم يزورّون « 3 » عنه استكباراً حين يبلّغهم كلمات اللَّه !
هامش
( 1 ) . الحَزر : التقدير والخَرص .
( 2 ) . القصص : 7 .
( 3 ) . ازورّ عن الشيء : انحرف وعدل عنه .