تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
الخطر ، لم تخفّف شيئاً من خشية أبي بكر على الرسول أن يناله مكروه . فهو من خوفه عليه ، منذ غادرا الدار ، في خوفٍ متّصل الحلقات ، وهو مذعور القدم ، واجف الحركة ، قلق الثبات ، مهزوز الخطوات ، في صدره جبل ، أنفاسه لهثات ، بصوته صَحَل « 1 » ، كالذي جفّ ريقه ، فراحت الكلمات تتّخذ سبيلها إلى حنجرته متعسّرة ، كأنّما تشقّها بسكين ، نظراته تترجرج حائرة على امتداد المسافات في كلّ ناحية ، فلا يكاد حملاقها يثبت على اتّجاه ، إن رأيته حسبته يترنّح من فزعٍ ، كمن يسير في وادي « عبقر » « 2 » ، والأرض من حوله طلعها جِنّة وأشباح . فما قصارى أمل هذا الصاحب الوفي النبيل ؟ الفداء قصاراه ! أنّه ليجهد ليكون لنبيّه درعاً تحميه ، فهو تارةً يمشي خلفه ، ومرّةً أمامه ، وآناً إلى يمينه ، وساعةً إلى يساره ، وكان يقول لرسول اللَّه : إن قُتلتُ فإنّما أنا رجل واحد ، وإن قُتلتَ أنت هلكت الأُمة . وحتّى عندما أويا إلى غار ثور ، وكان لهما فيه مأمن ، ثم سمع أبو بكر دبيب بعض المطاردين تدنو من الفوهة ، جزع الصاحب أشدّ الجزع ، وهمس يقول : لو أنّ أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا ! فهدّأ النبي جأشه : « ما ظنّك باثنين اللَّه ثالثهما ؟ » « 3 » وكانت كلماته بلسم « 4 » سلام . * * *
هامش
( 1 ) . صَحَل : الخشونة والبحّة في الصوت . ( 2 ) . وادي عبقر : موضع تزعم العرب أنّه من أرض الجنّ ، ثم نسبوا إليه كلّ شيء تعجّبوا منه أو من جودة صنعته أو قوته ، فقالوا : عبقري . ( 3 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 178 . وذكر الحديث مسنداً الخطيب في تاريخ بغداد 5 : 435 ضمن ترجمة محمد بن عبداللَّه السرّاج برقم 2955 و 11 : 434 ضمن ترجمة علي بن سيما الجندي برقم 6328 ، وفيهما عن أنس قال : حدثني أبو بكر . ( 4 ) . البَلسم : كلّ ما يضمد الجراحات .