على مدى الرحلة النبوية الشاقّة إلى « يثرب » عاشت الزهراء كمن تراوحت بها الأيام بين اليقظة وبين المنام ، في نهارها كانت في حلمٍ أزهر ، وضيء الرؤى ، مستنير الصدر ، تشرق ملامح اليُمن والخير على صحائف مراياه ، وفي ليلها كانت في صحوة ، توشك بوعيها الحالم ، وحسّها الشفّاف ، أن تسمع في إبّانها ، وتشهد ما لا تستطيع لقطه آذان ، ولا رَمْقه عيون .
غير أنّ الأيام كانت بطيئة ، تتهادى في السير والأماسي « 1 » كانت أبطأ ، تكاد لا تسير .
والوقت طويل كالدهر . . . وهي تمضي بقلبها ، تتابع انطلاق أبيها على طريقه المفروش بالخطر ، خطوةً خطوةً ، بل شبراً شبراً ، وفتراً وراء فتر .
وكانت مكة كلّها في هرجٍ محموم . . . اللغط « 2 » يضطرب فيها بسادتها بين القطع والحدس ، وبين صدق الحقائق وشطح الأوهام ، بل كانت ثرثرتهم أصدق تعبيراً عن أمانيهم منها عن الواقع الذي كانت تشهده حينئذٍ المفاوز والمغارات والجبال والرمال
بل كانوا كثيراً ما ينحرفون !
ثم انتقلت العدوي منهم ، فإذا هذا الذي يخالون أويعلمون ينتشر منهم في البلدة الحرام ظنوناً ومشاعر وخيالات ، تصكّ كلّ أُذن ، وتملأ كلّ خاطر ، وتتواثب على الألسنة والشفاه كلمات وعبارات .
فليس للقوم مَعجَبة تذهل سوى تسرّب محمد من بين شفرات سيوفهم المشرعات تسرّب النسمة الرُخاء « 3 » ، وليس لهم دون ظفرهم به شاغل أو رجاء .
وكما تعقّبه أصحاب نقمتهم وثأرهم في الفلوات ، راح أشرافهم وسادتهم يتعقّبونه في الأخبار . . . فلكلّ مرحلةٍ من رحلته المعمّاة هذه لديهم نبأ ، ولكلّ خطوةٍ حديث ،
هامش
( 1 ) . الأماسي : جمع أُمسية ، وخلافه : الأُصبوحة .
( 2 ) . اللَغَط : الجَلَبة ، الصوت الذي لا يفهم .
( 3 ) . الريح الرُخاء : الليّنة .