تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
هجرته وهو في أمان . . . كان أمام متعقّبيه مثل سراب ! إنّ حوله لأسيجة تخفيه عن عيونهم إن أراح أو سار . . . فالليل ستار ، والظلّ ستار ، والوعر ستار ، وتيه الرمال المترامي إلى آخر أبعاد الرؤية ستار ، وهوام « 1 » الفيافي ستار ، والطير « 2 » ستار . وقبل هذا كلّه ، كانت الخطّة ، وكانت الحيطة . فلم يترك الرسول رحلة هجرته هملًا في متاهة الظروف كترك الراعي الغفلان إبله متسيّبة ، ترعى وتسوم بغير رقيب ، فتشرد أو تتخطّفها الذئاب ، إنّم أعدّ لكلّ شيءٍ عدّةً . . . فلكلّ خطوةٍ حساب ، ولكلّ حركةٍ تقدير ، ولكلّ تصرّفٍ قد يفجأه به أعداؤه سلوك مضادّ من لونه ، خليق بأن يقيه الأخطار ويجنّبه المحاذير . ومن هنا فإنّه أخفى خبر رحيله عن الناس ، وعمّى عليهم مساره . ويوم ذهب إلى أبي بكر بداره ليخبره بالتجهّز للسفر ، حرص على أن يكون النبأ سرّاً بينهما ، فقال : « أخرج من عندك ! » « 3 » . وساعة برحا الدار ، خرجا من خوخةٍ « 4 » في ظهر البيت ، على خلاف المعهود ؛ ضماناً للاستخفاء . . . وعندما غادرا مكة ، لم يكن بها من يعلم شيئاً عن هذه المغادرة إلَّا نُفَير مؤتمن ، لا يكادون يجاوزون عدد أصابع الكفّ الواحدة ، منهم : فاطمة وعلي وأسماء بنت أبي بكر وأخوها عبداللَّه . فالزهراء كنفسه وعليٌّ مناط سرّه . وأسماء كانت الساعية إليه ثلاث ليالٍ بالطعام في الغارّ ، حتّى حانت لحظة انطلاقه وصاحبه إلى المهجر . . . وعبداللَّه كان يتحسّس له في أندية قريش أخبار مطارديه . فلمّا فارق غار ثور بعد تلك الليالي ، لم يتّجه إلى « يثرب » مشاملًا بغربٍ على الدرب الساحلي المطروق ، كما هو المألوف والمنتظر ، بل أمعن السير في الجنوب ، ثم انثنى إلى غايته على طريق مهجور . لكن هذا التحرّز الذي يمثل قلعةً حصينةً تتحطّم على أسوارها احتمالات
هامش
( 1 ) إشارة إلى العنكبوت والحمام . ( 2 ) إشارة إلى العنكبوت والحمام . ( 3 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 176 وفيه : « اخرج عني من عندك » . ( 4 ) . الخوخة : الكَوّة يدخل منها النور .