أتاهم ، فقال : ما تنتظرون ها هنا ؟
قالوا : محمداً .
فسخر ، وقال : خيّبكم اللَّه ! واللَّه لقد خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلًا إلَّا وضع على رأسه تراباً ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟
لكادت فاطمة عندئذٍ تسمع البهتة تتحدّث في وجوههم ، وهم يلمسون بأصابعهم رؤوساً انتشر عليها التراب !
ولكادت أُذنها تلقط أيضاً دويّ غيظهم في قلوبهم وهو يغلي غليان المرجل ، وقد تبيّنوا أنّ علياً هو الساجي « 1 » على الفراش ، ملتفّاً ببرد الرسول !
وملكتهم رهبة ، ثم غمرهم ذهول ، ثم انساقت بهم أرجلهم ، يدبّون ويخبطون ، على اضطراب وهرج ، كأنّهم قطيع مذعور !
أمّا هي فقد استعادت صوت أبيها لحظة انسيابه من خلل صفّهم المرصوص ، وهو يذرّ عليهم تلك الحفنة التي قبضها من ثرى رطبته أنداء الليل ، ويتلو من التنزيل :
« وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ »
« 2 »
.
وازدادت نفسها ثباتاً ، وازداد قلبها طمأنينةً .
كيف لا ، وربّها قد ضرب على حواسّهم فعطّلها عن تعقّب الرسول ، فلا سميع بينهم ولا بصير ؟
وأنّى لهم أن ينالوه !
إنّها لعلى يقينٍ أنّ الأرض تهيّأت له مناكب « 3 » ذللًا ، يسلك منها ما يشاء إلى دار
هامش
( 1 ) . الساجي : الممدّد .
( 2 ) . يس : 9 .
( 3 ) . المناكب : المناصي .