تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الرومان الذين تجمّعوا ليقتادوه للصليب ! كيفما كان ما وقع لهم أو حاق بهم ، فقد مضى النبي من بينهم إلى حيث صاحب هجرته ، وهم أمثال خُشُبٍ مُسنَّدة ، أو كأصنامهم الصمّ العمي ، لا يسمعون ولا يبصرون ولا يشعرون . وقبعت « 1 » فاطمة قلقة تسامر النهار ! فماذا لو اقتحم عليها المشركون المكان ؟ وماذا لو مزّقوا الشاب الراقد ، ملتحفاً ببردة الرسول ، قبل أن يفطنوا أنّه ليس الطريدة المبتغاة ، التي تربّصوا لها بالسيوف الحداد ؟ لقد خرج أبوها في اللَّه . ولقد رقد علي في اللَّه . وكما أنّ الهلاك يقف شاهراً منجله دون خطوة واحدة على طريق الارتحال ، فهو يشهره أيضاً على مهاد الرقاد . فلا عجب إذاً لو اعترى قلب الفتاة حينئذٍ وجيف ووجيب « 2 » ، حتّى لكأنّما في صدرها تنّور يفور ، ويوشك أن يقذف ما بجوفه الملتهب كما يقذف حممه المنصهرة بركان . وهل من حيلةٍ لها إلَّاأن تضطرب وتوجل وتنزعج ، وقد سبقت إلى بالها خشية ما عسى أن تنجاب عنه أستار الليل ، ويطلع عليه ضوء النهار ؟ لا حيلة ! لا مناص وإن هي علمت - يقيناً - أنّ ربّها مانع كليهما ، ومسلّمهما إلى منجاة . فالخوف غريزة ، وديدن الغزائز الجموح ، ورهبة المجهول المحجوب وراء قضاء اللَّه من طبيعة الناس ، لكنّه ليس يعني دائماً انتفاء اليقين ، بل إنّه ليؤكّده ولا ينفيه . والفكر الإنساني في حياتنا الدنيوية محدود لا يعرف الإطلاق ، والنظرة - بقدراتنا ومقاييسنا البشرية - إلى الأشياء والأُمور نسبية ، تختلف من إنسانٍ لإنسان
هامش
( 1 ) . قبع : جلس . ( 2 ) . وَجَب القلب ووَجَف : اضطرب .