على غير مألوف العادة ، رأت فاطمة أباها لا يبيت في فراشه ، بل يعزف عنه ، ويأمر عليّاً فيبيت فيه .
وأطاع الشاب .
وهكذا الفداء !
فهل شاء اللَّه لنبيّه النجاة فكشف له عن مكر أُولئك المؤتمرين ؟ أم شاء أن يمكّن لدينه في الانتشار ؟
كليهما شاء ، وكلاهما مترابطان .
فثمّة دائماً علّة ومعلول ، وسبب ومسبَّب ، لتمضي الأُمور والأحداث على تساوق وتتابع مع النظرة البشرية المنطقية التي لا تخالف المألوف المقبول ، ولا تعضل الأفهام والعقول .
ولقد جرى في مشيئة اللَّه أن يسخّر عليّاً ليكون هو المقدّمة ، ويكون خلاص الرسول من أعدائه هو النتيجة ليعزّ شأن الإسلام .
وخرج الرسول على القوم المتربّصين ، فاجتاز ذلك النطاق الذي ضربوه حول الدار ، فربّما قرّ في أرواعهم أنّه بفراشه ، فأمنوا أن يبرح بيته في تلك الآونة ، وأنّ براحه عندئذٍ هو المحال ، ما دامت همهمة الكلام ، ووقع الأقدام ، وصليل السلاح « 1 » تنبعث إليه من لدنهم عبر بابه ، متفحّصة عمّا يبيتون !
وقديماً قيل : من مأمنه يؤتى الحذر !
أو ربّما دلف « 2 » إليهم وهم في غمرة هرجهم ، متستّراً منهم بظلّ هذا ، ومتسلّلًا من وراء ظلّ ذاك ، وقد استغرقهم إعدادهم للوثوب عليه كلّ الاستغراق ! والظلال عشاً يعمي الأبصار .
أو ربّما شُبِّه له ، فخالوه أحدهم ولم يتبيّنوه ، تماماً كما شبّه عيسى بن مريم لجند
هامش
( 1 ) . صليل السلاح : صوته لمّا يصدم غيره .
( 2 ) . دلف : دخل .