وحاروا فيه ! هو معضل بهم ، على الحالين : رحل أو حلّ ، خرج أو أقام .
لكنّ أبا جهل جاءهم من لدنه بالرأي الذي ظنّه وظنّوه يحسم الأمر ، ويدرأ الخطر الذي يخافون ، قال لهم عدوّ اللَّه : الرأي أن تأخذوا من كلّ قبيلةٍ شاباً جلداً ، حسيباً في قومه ، نسيباً وسطاً ، ثم يعطى كلّ فتىً منهم سيفاً صارماً ، ثم يفدون إليه ، فيضربونه ضربة رجلٍ واحدٍ فيقتلونه ، فيتفرّق دمه في القبائل ، فلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً « 1 » !
فارتضوا ما ارتآه ، وراحوا يدبّرون لتنفيذ الائتمار .
ولقي رسول اللَّه أبا بكر ، فقال له : « أُذن لي في الهجرة » « 2 » .
قال ابن أبي قحافة وهو مشوّق : الصحبة يا رسول اللَّه ؟
- « الصحبة ! » .
وامّحت آية النهار . . . وظهرت آية المساء .
ثم أقبل الليل من قبّة الأُفق ، يتحدّر كالسيل على جبال مكة ، ويدهن الدور والدروب بلونه الحالك السواد .
حينئذٍ تسلّل الفتية الأجلاد من قريش ، يؤمّهم الأشراف ، تسلّل الأفاعي ، وفي أيديهم الأسياف ، يطبقون على بيت النبي من كلّ جانب ، وينتشرون حولها بغير حسيس ولا هسهسة « 3 » إلَّاأن يكون للظلال وقع أقدام !
لكنّ محمداً كان عالماً بما يفعلون ، أفكان بصره يخترق إليهم الجدران ؟ أو كانت له على كلّ امرئٍ منهم عينان لا تغفلان ؟
* * *
هامش
( 1 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 173 - 174 وقال : ذكر القصة ابن إسحاق الواقدي بأسانيد عن علي وابن عباس وعائشة وسراقة بن مالك .
( 2 ) . راجع المصدر السابق : 176 .
( 3 ) . الهسهسة : الصوت الخفيّ .