وتحرّك التاريخ ، وتقتحم معامع « 1 » الرأي والسلاح ولما تنتصف بها أعوام عمرها الطويل .
* * *
الهجرة
وشغلت فاطمة عن همّها وذكرياتها وتأمّلاتها حركة الهجرة التي أعدّت لها العدّة قريش الأصنام ، لتواجه ما أعدّ رسول الإسلام .
فلم يغب عن أحدٍ كيف تربّص المشركون بالنبي ، وقد صار له نصير وشيعة بيثرب ، ممّن هاجر وممّن أوى ، اشتدّ بهم أمره ، وغدت قريش منهم في خوفٍ أن يميلوا عليها بالحرب ، كُرّاراً غير فُرّار ، فيقضوا عليها ، ويستأصلوا دين أسلافها من الجذور .
واجتمع أشراف الكفر في دار الندوة يتشاورون ، تحدّث أحدهم يستنهضهم : إنّ هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإنّا واللَّه لا نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتّبعه ، فأجمعوا فيه رأياً .
عندئذٍ انبثق رأي يقول : احبسوه في الحديد ! وأغلقوا عليه باباً ، ثم تربّصوا ما أصاب شباهه من الشعراء حتّى يصيبه ما أصابهم من هذا الموت !
فهل يضمنون لو فعلوا ألّا يثب أصحاب محمد فينتزعوه عنوةً من حيث وضعوه ؟
ورأي راءٍ آخر : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنّا فواللَّه ما نبالي أين يذهب .
إنّه إذاً لأولى بأن يغلب بحسن حديثه وسلامة منطقه على قلوب من يُنفى بأرضهم وعلى عقولهم ، فإذا هم له تبع وأشياع !
هامش
( 1 ) . المعامع : جمع معمعة : وهي الحرب والفتنة ، ومعامع الرأي : شائكه وعويصه .