* * * ولقد عاشت هذه السيدة الطيّبة في بيت النبوة مع الزهراء على مودّةٍ ووفاق ، لكنّ الذي كانت الفتاة تلقاه منها من الرقّة واللطف والاهتمام لم يكن يغنيها شيئاً عن حنان الحبيبة الراقدة في ثرى الحجون ، بل كان دائماً يذكّرها بذلك الحنان ، بل كان يهيج من لواعج حزنها على أُمها كلّ صبح ومساء ، ما كان يلوح كأنّما سيطويه سجلّ النسيان .
ومع ذلك ، فما أمر « سَوْدَة » بعقدة ، ولا هو بحمل يؤود .
فهي - على عطلها من الحسن - سمحة الخلق ، حلوة الحديث ، صيغت من براءة الطفولة ، لطبعها نعومة الحرير ، شفّافة النفس كماء ينبوع انبثق من الصخر ، كفاها من دنياها الجديدة التي نقلها إليها النبي بيت تأوي إليه ، وعمل تبذله لتسعد كلّ من فيه ، ورجل - دونه الخلق كلّهم - تتفيّأ في جواره الأمان .
فإذا كانت خلائق سَوْدَة بدت - من فرط سذاجتها ، وسهولة تركيبها النفسي - صفحة واضحة الأسطر في كتابٍ مفتوحٍ ، فما الظنّ بتلك الثانية الأخرى التي لن تلبث إلَّاقليلًا ثم تصبح السيدة الأولى في الدار ؟
عرفت فاطمة أنّ خَوْلَة بنت حكيم كانت قد أقبلت ذات يومٍ تقول للرسول :
ألا تتزوّج ؟
فسألها : « من ؟ » .
قالت : إن شئت بكراً ، وإن شئت ثيّباً .
- « فمن البكر ؟ » .
- بنت أبي بكر .
- « ومن الثيّب ؟ » .
- سَوْدَة بنت زمعة .
قال الرسول : « فاذهبي فاذكريهما عليّ » « 1 » .
هامش
( 1 ) . راجع المعجم الكبير للطبراني 24 : 24 - 25 برقم ( 80 ) ، وقد أخرجه أحمد 6 : 210 - 211 من حديث طويل .