تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
ولا نأمة « 1 » نبرة ، ولا حسيس أنفاس . . . كأنّما غدت أثراً من طللٍ في وادي الرمل على مدرجة التيه ، حتّى لقد لفّت الصبية وحشة مروّعة أوشكت أن تثبت في خلدها أن سوف تفارقها إلى آخر الحياة . ثم لعلّها رنّت - بعين العاطفة - إلى حَشيَّةٍ أو مهادٍ ألفت في بواكير سنيّها تأوي فوقه إلى حضن خديجة ، فإذا هو خالٍ من الأم العطوف الرؤوم . . . وإذا هي بامرأةٍ أخرى قد استوت عليه ، أو رقدت فيه ، ليس لها من صفات سيدته الأُولى نصيب إلَّا عمر تقدّم بها إلى ما وراء الكهولة ، وطيبة تعدّ في كرام المناقب وإن كانت أدنى إلى سذاجة الطفولة . فما سَودَة بنت زَمعة كخديجة . لا هي بذات جمالٍ ، ولا هي بذات فطانةٍ ، ولا هي بذات « شخصية » قويةٍ آسرةٍ ، تجتذب الانتباه ، وتمتلك العقول ، وتتفرّى على حدّ بديهتها اللماحة وذكائها الألمعيّ خيادع الآراء وزيوف الأفكار . كانت - كأُنثى - لا تكاد تتوسّط بنات جنسها ، بقدر ما كانت تداني مؤخّرة الصفوف . وعندما خطبها رسول اللَّه ، إنّما فعل برأيها ، وعطفاً عليها ، إذ كانت من أُوليات المهاجرات بالحبشة ، ومات عنها زوجها السكران بن عمرو بعد أوبتهما من المهجر بقليل . . . وكرّمها النبي ، فمحا عنها وحشة الترمّل ، بعد أن امّحت عنها وحشة الغربة عن الديار . ودخلت بيته زوجةً ، وأُمّاً للمؤمنين . . . ولم تكن - في الحقّ - تحلم أن تظفر بشيءٍ خير من هذه الفضيلة التي رفعتها مقاماً عليّاً بين نساء العالمين . وكانت تتحدّث بنعمة اللَّه ، فتقول : « واللَّه ما بي على الزواج من حرص ، ولكنّني أُحبّ أن يبعثني اللَّه يوم القيامة زوجاً للرسول » .
هامش
( 1 ) . النأمة : النغمة ، الصوت .