تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
مواطئهم ، ويعيدونهم إلى ديارهم كارهين ، مخافة اشتداد سواعدهم في منتجعهم الجديد ، ثم كرّهم عليهم بالثأر والوبال ، عندما تسنح سانحة ، ويئين أوان . أفتخلّي بينهم وبين المنعة والأيد ، وفي ذلكم بلا ريب شرٌّ داهم ، وخطرٌ عارم ، وبلاءٌ عظيم ؟ اختلفت إذاً نظرة قريش إلى المهاجرين ، بين جماعة لجماعة ، وبين يومٍ ويوم ، من نقيض لنقيض . ووسعت المسلمين الهجرة في اللَّه ، إلَّاالذين حبسهم أهل الشرك ، وصدّوهم عن الرحيل ، لكنّه صدّ إلى حين ، إلى أجلٍ معلومٍ ، يحسبه الكافرون بعيداً وما هو ببعيد وتتابعت على الطريق إلى « يثرب » الرجال والنساء من حزب اللَّه ، بعضهم على القدم ، يمضون مواكب وصفوفاً ، من بعد مواكب وصفوف . . . وبعضهم على الظهر ، تدبّ بهم مطاياهم ، حوافر في إثر حوافر « 1 » ، أخفافاً وراء أخفاف ، وأظلافاً تليها أظلاف . كانوا جميعهم يتلعون « 2 » الأجياد إلى المقام الموعود ، كانوا في شوقٍ إلى تلبية دعوة اللَّه . . . فهناك ، سبحانه هو المضيِّف وهم الأضياف . وهل يُضام ضيفٌ ينزل في قِرى مالك الوجود ؟ ولقد حنّ أبو بكر إلى اللحاق بأترابه حنيناً أخذ عليه كلّ مشاعره وتفكيره ، كعصفورٍ بلّله القطر ، وعصفت به الريح ، وناشه الزمهرير ، ثم استطاع أخيراً أن ينفض عن نفسه تلكم الأوقار ، فنشر جناحيه ، ومضى يطير إلى عشٍّ له فيه دفء وراحة وقرار . وأعدّ عدّته ، وهمّ بالرحيل ، لكنّ رسول اللَّه قال له : « لا تعجل ، لعلّ اللَّه أن يجعل لك صباحاً » « 3 » فأطاع . * * *
هامش
( 1 ) . ذوات الحافر : الفرس ونحوه ، وغيره ذات الخفّ أو الظلف كالجمال والنوق . ( 2 ) . يتلع الجواد : يحفّزه على الجري . ( 3 ) . راجع أُسد الغابة 3 : 209 .