ولم يعد حينئذٍ شكّ في أنّ الهجرة وجبت على المؤمنين .
ما وقع بنفس الزهراء من بضعة أشهر لم يعد اليوم حَدْسَ ظنٍّ ، أو هَجس تصوّر واهم ، بل أصبح وإنّه ليقين من اليقين . . . وتهيّأت للأمر وأهل الدار وتلبّثت تنتظر على رغبةٍ وأهبّةٍ إشارة الرسول ، فكلّ حركةٍ بموعد ، وكلّ خطوةٍ بميقات .
وإذا كان قد عزّ عليها أن تفارق مكة ، فلا حرج عليها لو أخذها هذا الشعور ، وقد علمت أنّ أباها ليلة مخرجه وقف على مرتفعٍ رنا منه إلى البيت العتيق ، وإلى البلدة التي تحتضنه ، ثم قال وكلماته تكاد تتقاطر عبرات : « واللَّه ، إنّك لأحبّ أرض اللَّه إليَّ ، وإنّك لأحبّ أرض اللَّه إلى اللَّه ، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك ما خرجت » « 1 » لكنّ أمراً آخر كان يشغل قلبها في هذه الآونة الأخيرة من عهدها بمهبط الوحي ، ويملأه إلى حافّتيه ، حتّى لتحسّه وكأنّه يفيض كما يفيض الإناء المترع بالماء . . . إنّه لأمر الأثيرة « خديجة » جوهر الوفاء وزينة النساء .
فما ماتت في فكر الابنة هذه الأُم التي ليس كمثلها امرأة في الأُمهات ، ما غابت قطّ عن شردة خاطر ، ولا خلجة بال ، ما غربت شمس حياتها عن وجودها وإن كان جثمانها ليثوي في ثرى الحجون .
وإذ آن الآن وقت الرحيل ، فَلاتَ « 2 » لهذه الغالية حين رحيل !
فلعلّ الفتاة الحزينة قد أُشربت - نفساً وبدناً - أسىً موجعاً ، نفذ في وجدانها حتّى أعماق الأعماق ، وتخلّل مسامّ بشرتها حتّى خالط الدماء في العروق ، وهي ترى بعين المسافة إلى أيّ مدىً ستكون بعيدة عن المثوى « 3 » الحبيب .
ثم لعلّها تلفتت فيما حولها ، وما حوت الدار التي شهدتها وليدةً فصبيةً فيافعةً ، فرأتها - بعين غدها - مهجورةً ، قد أقفرت « 4 » من الأهل ، فلا حركة قدم ، ولا رفّة ثوب ،
هامش
( 1 ) . راجع البداية والنهاية 3 : 175 باب هجرة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بنفسه ، والمستدرك على الصحيحين 3 : 7 .
( 2 ) . لات : ليس ، ويذكر أنّها لا تأتي إلَّامع « حين » .
( 3 ) . المثوى : المنزل .
( 4 ) . أقفرت : خلت .