اللوحة الرابعة : بعيداً عن مكة
عندما يريد اللَّه بقوم خسراً تضلّ بهم عن مواقعها الأقدام ، تشتبه عليهم الأُمور ، تختلّ في مداركهم معايير التقدير ، يرون الصواب في الخطأ ، ويرون الخطأ في الصواب .
كذلك فعل بقريش ، والمسلمون ينزحون عنها إلى « يثرب » فُرادى وجماعات ، وقد أذن لهم ربّهم في الخروج ؛ احتساباً له سبحانه ومرضاةً ، وما خرجوا جميعهم خفيةً ، ولا من وراء الظهور .
فلربّما انطلق بعضهم على الطريق ، مشرّقاً بشمال ، إلى مهاجرهم بمدينة العزّة والنصر التي تتصوّب إليها عيون الماء ، وتحفّ بها خضرة الزروع ، وينتظرهم الردء والأمن والمتاع ، فلا يكاد رجل واحد من أساطين الشرك يتقدّم ليحول بينهم وبين الانطلاق .
أفلا يسُرّ الشرذمة الضالّة أن ينزح خصومها هؤلاء بعيداً عنها ، ومعهم صبوءهم ، فيتّقي قومها الوقوع في فتنة دعوتهم السحرية التي شتّتت جماعتها ، وحطّمت وحدتها ، وفرّقت بين الزوج وزوجه ، والولد وأُمه ، والأخ وأخيه ، والابن وأبيه ، ثم مرغت في الوحل دين الأسلاف ؟
ولربّما علمت بمخرج بعضٍ آخر ، فخفّ أُناس منها إليهم ، يقتلعونهم عنوةً من