يومئذٍ شهد العالم ميلاد أول تنظيم سياسي وعسكري في دولة الهدى البازغة ، التي ما لبث ناموسها الربّاني أن سرح على منبسط الأرض وفي دخائل النفوس سروح النور وهو يكسح الظلام .
وطفر الكفاح النبوي أوسع طفراته نحو مرحلته الإيجابية التي طال بها المخاض ! أشفت « 1 » الأمور على حافّة الحسم والتقرير .
جاء التغيير .
ففي خلال الأشهر القلائل التاليات دبّت حركة غير عادية في جماعة المسلمين كدبيبها عند خروجهم إلى أرض الأحباش .
إنّ قريشاً لتحدسٍ وتتوجّس ، وتحسّ كأنّما القوم يتهامسون ، ثم تنظرهم خلسةً ، فتراهم يقدمون ويتراجعون ، ثم تجدهم يوماً يوماً يتناقصون عدداً في بلدتهم الحرام .
فهل هي انطواءة مقهور مغلوب ، أم أنّها تشرّع للهروب ، أم أختفاء عن أعينها وأيديها موقوت ؛ جماماً « 2 » من البطش والعذاب ؟
بل هجرةٌ في اللَّه .
وما الهجرة بفرار ، إن هي إلَّاأذان بالجهاد .
فدع قريشاً وما هي فيه ! ذرها وما تصوّره لها الأوهام !
فلقد حقّ على « يثرب » اليوم أن تنادي المؤمنين : هلمّوا إليّ ، فلبّوا . . . وأخذوا يدخلونها آمنين ، واحداً واحداً ، وزمرةً زمرةً ، حيث يلقون الصفاء والمنعة والأرض الطيّبة التي كتب اللَّه أن يتحرّر أهلها - إلَّاأقلّهم - من خبائث الشيطان .
هامش
( 1 ) . أشفى على الشيء : أشرف عليه .
( 2 ) . الجِمام : الراحة .