وما أن حلّ الموسم حتّى بلغ وفدهم إليه بالعقبة ، حيث واعدوه ، ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين ، يمشون الخفاء ، متستّرين بسجاف الليل « 1 » ؛ خشية أن تفطن قريش لهم ، فتفسد عليهم سعيهم إلى اللقاء ، وتمنعهم الاعتصام بكلمة اللَّه .
ولم يكن خبرٌ قطّ هو أحلى لفاطمة من خبرهم إذ أقبلوا على أبيها ، يبايعونه على الإسلام والنصرة والوفاء . . . فيومئذٍ بدأت خطوات الإعداد للجهاد بالكلمة والسلام .
قالوا له : يا رسول اللَّه ، خذ لنفسك منّا ما شئت ، واشترط لربّك علينا ما شئت .
قال الرسول : « أشترط لربّي عزَّ وجلَّ أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، ولنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم » .
قال قائلهم : فإذا فعلنا ، فما لنا ؟
قال رسول اللَّه : « لكم الجنّة . . » « 2 » .
فتسارعوا يجيبونه بالرضا والقبول : ربح البيع !
وبايعوه على شَرطَيه ! وكيف لا يفعلون وما بخسهم ولا أخسرهم ، وإنّما مكّن لهم في تجارةٍ لن تبور !
ثم نقب منهم نقباء : اثني عشر نقيباً ، كلّ نقيبٍ بمن وراءه رهين ، بل في واقع الأمر كتّبهم كتائب على أهبّةٍ لخوض غمرة الوغى « 3 » ، وللعمل في ساحة السلام .
وقال للنقباء أُولئك يعدهم للغد القريب : « أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي » « 4 » .
وكانت لحظة للبشرية هي أعظم يُمناً وخيراً وبركةً من ألف شهر .
* * *
هامش
( 1 ) . سجاف الليل : ستره .
( 2 ) . راجع تفسير الطبري 7 : 49 ، والدرّ المنثور 3 : 280 في تفسير الآية : 111 من سورة التوبة .
( 3 ) . الوغى : الحرب .
( 4 ) . راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 222 - 223 .