ولكم عانت عندئذٍ من تباريح الألم النفسي ، وهي متوتّرة الأعصاب ، كأنّما تقف على أصابع قدميها لتعجل إلى استقبال العقابيل .
فراشها من جمرٍ أحمر ! أنفاسها تلسعها كأنّها لفحات ريح السموم ! حركتها قلق ، نهارها موصول بالليل ، وليلها موصول بالنهار .
في سطعة الشفق ترى عتمة الغسق ، أهدابها يشدّها الأرق أن تنطبق .
فالنوم حلم ، والرقاد سهاد . ومع ذلك فالحياة مداولة بين الشدّة والرخاء ، والأحداث لا تسير دائماً في طريق مسدود .
فللضيق والفرج مسلكان متوازيان . . . كما تتساقط الظلمة يتقاطر النور ، ومهما تعصف الشدّة فلابدّ من رُخاء « 1 » .
* * * وآنست « 2 » الزهراء ضياءً في جانب الأُفق المعتم ، كما آنس موسى النار بالوادي المقدّس عند البقعة المباركة ، دعوة إلى اللَّه ، وبشرى تقدّم بين يديها النصر والخلاص .
وكان الضياء أُولئك الفئة القليلة من أهل « يثرب » الذين هداهم ربّهم إلى صراطه المستقيم . . . فعلى الأيام ، ومن تحت سمع جبروت الشرك ومن وراء بصره ، قويت بهم شوكة الإسلام .
في أول لقاءٍ لهم بالنبيّ كانوا نواةً ، ثم أصبحوا فسيلة « 3 » ، ثم نموا شجيرة ، ثم غدوا كروماً معروشات .
فما أن جاء العام القابل حتّى خفّ من بلدتهم إلى مكة اثنا عشر رجلًا من الخزرج والأوس جميعاً ، قد ألّفت بيهم رسالة الهدى ، فبايعوا الرسول ، وبعث معهم من يقرئهم القرآن ، ويعلّمهم الدين .
هامش
( 1 ) . الرُخاء : الريح الطيّبة .
( 2 ) . آنس الشيء : بَصَره .
( 3 ) . الفسيلة : أول النبتة ، عود يُغرس فينبت .