أجمعين ، لأدركوا أنّهم ومن يدبّون دبيبهم على هذا الكوكب ليسوا بشيءٍ يذكر في الملكوت . . . فلخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وما خلقهم ولا بعثهم إلَّا كنفسٍ واحدة .
فكأنّي بما أحسّه القوم من ضعفهم وجهالتهم وفقرهم الروحي - عندما تكشّفت له بعض حقائق الوجود من خلال معجزة الإسراء - هو الذي أغراهم بالتكذيب ، ليدرأوا عن أنفسهم الشعور بالضعة والهوان .
فالنفس البشرية عدوّ لما ينتقصها ، ويمسّ كبرياءها الموهومة وإن دمغتها به وقائع الحال ، وهي حريصة على إخفاء معرّتها ، تفرّ منها إلى التغافل والمكابرة والادّعاء ، وقد زيِّن لها سوء عملها فرأته الحقّ والصلاح . . . وهي وفية - بحكم العادة والصلف والعناد - لما شبّت عليه ، وقضت عمرها فيه .
وقليل من يتقبّلون الخضوع لسنن التغيير . . . ألم تر إلى العبد المرقوق ، حين يعتق ، كيف تؤوده الحرّية وتثقل عليه ، فيضطرب ويحار حتّى ليؤثر - أو يكاد - لو أنّه ظلّ في الاستعباد ؟
وكذلك المشركون .
* * * لقد عاش المسلمون عدوان ثقيف على نبيّهم حديثاً يروى ، وعاشته معهم فاطمة كلاماً وعبارات ، تنتقل من أُذنيها إلى عينيها فإذا هي مشاهد ومرئيات ، وعاشته بإحساسها كسفاً « 1 » من العذاب .
لكنّها عاشت - بكلّ مكوّناتها الإنسانية - ما جرى بمكة حول الإسراء حقيقةً ملموسة الأبعاد ، عاشته بالفكر والشعور ، والسمع والبصر والفؤاد ، وعاشته في تشيم المجهول ، القريب منه والبعيد .
هامش
( 1 ) . كِسَفاً : قطعاً .