بالسخرية ، تباروا في هجر القول .
وكان أكثر لغطهم - كصلاتهم الضالّة المضلّة - مكاءً وتصديةً « 1 » !
حتّى المطعم بن عدي ، الرجل الكريم المتعقّل ، نزع عن هدوئه واتّزان وعيه ، وصاح وقد بدّله عجبه بحلمه حماقة : يا محمد ! إنّ أمرك قبل اليوم كان أمماً « 2 » غير قولك اليوم ، وأنا أشهد أنّك كاذب ! نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس ، مَصعد شهر أو منحدر شهر ، ثم تزعم أنّك أتيته في ليلةٍ واحدةٍ ! واللّات والعزّى لا أُصدّقك ، وما كان هذا الذي تقول قطّ !
ولقد حسب أولئك المرجفون النُكر أنّهم أوقعوا الرسول من قوله هذا في كمين ، فأشاعوا في الملأ نبأ الإسراء ، وهم يبرقشونه ويرقشونه « 3 » كما شاءت لهم الأهواء ، ويقرنونه من لدنهم بتعليقات وتأويلات يمدّهم بها ما انطوت عليه الجوانح والأذهان من عوادي الضغينة واختبال الخيال .
وكان أكثر همّهم أن يروّجوا بضاعتهم تلك بين أهل الإسلام
« هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً »
« 4 »
.
راود الشكّ بعض النفوس الضعاف ، ودنا بعض من حافّة الفتنة ، وارتدّ بعض أو كاد .
ثم سعت من أهل الشرك طائفة إلى أبي بكر بخبر صاحبه ، وفي يقينها أنّها ستلفته عن طريقه ، فلو أنّه اهتزّ إذاً لهاضت نفوس ، واهتزّت أقدام ، وربّما ذهبت ريح الإسلام .
هامش
( 1 ) . المكاء والتصدية : الصفير والتصفيق حول الكعبة ، حيث كان هذا صفة الحجّ في الجاهلية .
( 2 ) . أمماً : أي يسيراً .
( 3 ) . بَرَقش الشيء : زيّنه بألوان مختلفة ، ورقشه : زخرفه .
( 4 ) . الأحزاب : 11 .