وعلى الرغم من مخالفة حدث الإسراء لكلّ معقول ، فقد أبى النبي - تحدّثاً بنعمة ربّه - إلَّاأن ينقل نبأه بلسانه إلى قريش وإن كرهت ، لتعلم قدرة اللَّه كيف تجلّت في آيةٍ من آياته لم يؤت مثلها نبيّ سواه .
ولقد علمت منه بنت عمّه أم هانئ عزمه هذا ، فرأت أن تثينه عنه مخافة أن يهزأوا به ، وينالوه بما هو أولى باحتمائه منه ، فتشبّثت بثوبه وهي تنشده أن يعدل عن الخروج :
أذكرك اللَّه أنّك تأتي قوماً يكذّبونك ، وينكرون مقالتك ، وأخاف أن يسطوا بك .
لكنّه مضى لغايته ، حتّى انتهى إلى رجال من المشركين بالمسجد ، بين الركن والمقام ، فأنبأهم الخبر . . . وقرأ في وجوههم التكذيب .
وكان ثمة أبو الحكم بن هشام ، ما إن رآه حتّى أقبل فسأله ، ونبراته تقطر سخريةً :
هل كان من شيء ؟
قال بثبات : « نعم ، أُسري بي الليلة » .
- إلى أين ؟
- « إلى بيت المقدس » .
- ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟
- « نعم » .
قال عدوّ اللَّه ليتثبّت ويشهد الناس : أفرأيت إن دعوت قومك ، أتحدّثهم ما حدّثتني ؟
- « نعم » .
فدعاهم ، فانفضت إليه مجالس قريش حتّى جاءوا فجلسوا إلى الرسول .
قال عدوّ اللَّه : حدّثهم بما حدّثتني به .
ففعل النبي : « إنّي أُسري بي الليلة . . . » .
ولم يترك من الحدث شيئاً إلَّاأخبرهم به ، عندئذٍ هرجوا ومرجوا « 1 » ، تصايحوا
هامش
( 1 ) . هرجوا ومرجوا : أي اختلطوا .