من السدّة الربانية قرباً وعلوّاً ما هما كمثل أبعاد الزمان والمكان ؛ لإنّه تعالى منزّه عن أحياز الزمان والمكان .
إنّما أدناه جلّ شأنه روحاً وبدناً من إشراقة أنواره ، وأسرار غيبه ، على نحوٍ لا تدركه العقول ، ولاتلمحه الأبصار ، لم يتح قبله لأيٍّ من الرسل والأنبياء ، ولن يتاح بعده لأيّ إنسان .
ذلك ليزيده كرمةً وطمأنينةً ، وليمحِّص « 1 » المؤمنين ، وليكبت « 2 » الكفّار .
فلقد أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعرج به في ملكوت السماوات العلى ، وأراه من آياته الكبرى آيته الكبرى .
في ذلك اليوم المشهود افتقده أهله ، فإذا هو غائب عنهم لا يدرون إلى أين مضى ، وبأيّ مكانٍ ببلدتهم نزل وأقام ، ومضوا يجدّون في البحث عنه ، وهم في قلقٍ عليه أن يكون قد أصابه من عدوّه مكروه .
ثم التقى به أخيراً عمّه العباس ، فما أن شهده حتّى تفرّج الهمّ عنه ، وأقبل عليه منبسط الأسارير ، قال له يستفسره : يا بن أخي ، عنّيت « 3 » قومك ، فأين كنت ؟
فكان جوابه أن ردّ بهدوء : « ذهبت إلى بيت المقدس » .
فعجب العباس : من ليلتك ؟
- « نعم » .
عندئذٍ ملكت الرجل الحيرة ، فتفرّس فيه كأنّما بحثاً عن شيءٍ في محيّاه قد يدلّه على أمر يخفيه ، ثم سأله بنبرات يهزّها خوفه عليه : يا بن أخي ، هل أصابك إلَّاخير ؟
قال الرسول مؤكّداً له : « ما أصابني إلَّاخير » .
* * *
هامش
( 1 ) . يمحّص : يختبر .
( 2 ) . يكبت : يذلّ .
( 3 ) . عنّيت : وضعت فيه العناء .