تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
أيامها هو ليل بلا نهار - إنّما كان في عيون المسلمين وأخلادهم صورةً مضيئةً للصبر والجلد والإصرار ، تضيف ذخراً ثرياً إلى رصيدهم من الثبات أمام قواصف الخطوب ، وقواصم الأرزاء . وازدادوا يقيناً إلى يقين ، وردّت إليهم الروح . أمّا الزهراء فقد أترع « 1 » قلبها سلام ، ولئن كانت مشاعرها سالت عبرات ، فالدمع لغة الأفراح ، كما هو لغة الأشجان . . . وما أحسب شؤونها اندفقت حينئذٍ من حزن ، ولا انطلقت من حبور ، بقدر ما فاضت عن إحساسٍ بألمٍ مبرّحٍ ، لا يكاد ينضب له معين . وهل كانت لتأسى على ما فات ، أو تفرح بما هو آت ، وإنّها لتعلم أنّ الذي وقع بالطائف إن هو إلَّاقدر مقدور ؟ أو هو شطر من مُكُوس « 2 » التكليف السماوي بالنبوة ، يؤدّيه أبوها وهو راضٍ مختار ؟ أو هو بلاء لأتباعه واختبار ؟ وهل كان طريق الدعوات دائماً إلَّادولة بين المدّ والجزر ، وبين الانتشار والانحسار ، حتّى يقضي اللَّه أمره ويؤتي نصره ؟ إنّما إحساس فاطمة كان أدنى إلى الألم والوجيعة ، حتّى لكأنّها هي التيوقعت في مرمى الرضخ « 3 » ، تنهال عليها حجارة أُولئكم السفهاء ، فتصيب منها قلبها قبل أن تدمي جسدها ، وتثخن جوارحها الجراح . ومع هذا ، فليس ما وقع بالطائف بآخر بلاء ، بل كان باباً إلى بلاءٍ جديدٍ شديدٍ ، إن لم يكن فدح الأبدان فقد فدح الأرواح . . . ذلك حدث الإسراء . تقول الآثار : لمّا أراد اللَّه لنبيّه الفضيلة ، وشاء أن يمسح عنه بلطف رحمته الربانية ما لقيه على أيدي عتاة المشركين من هوان ، ليزيده أُنساً بعزّته ، وثقةً في نصره ، وليبدله بألمه متعة ، وبقلقه سكينة ، ارتضى له سبحانه شرف رفعه مكاناً علياً ، قريباً
هامش
( 1 ) . أترع : ملأ . ( 2 ) . المكُوس : جمع المكس ، وهو الدراهم التي تؤخذ من البائع في السوق ، وهو ما يطلق عليه اليوم‌بالضرائب . ( 3 ) . الرضخ : الرمي .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 279 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود