ذلك أنّه حين رأى النبي يوجّه راحلته ، أخذته الخشية عليه أن تغلو له قريش في مكرها الخبيث ، فقال : إلى أين يا رسول اللَّه ؟
فلمّا أن رآه يشير إلى حيث أراد ، هاله الأمر ، وصاح : وكيف تدخل عليهم وهم أخرجوك ؟
فأجابه الرسول بنبرة الواثق ، يطمئنّه : « يا زيد ، إنّ اللَّه جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ، وإنّ اللَّه ناصر دينه ، ومُظهر نبيّه » « 1 » .
وأراد أئمة الكفر من أهله وسادة قومه أن يزيدوه هواناً ، فأبوا أن يجيروه عندما نزل بحِراء ، وبعث إلى رؤوس أشرافهم الواحد بعد الآخر يطلب الجوار .
وهل أهول محنة على نفس الأبيّ الكريم من إحساسه بالهوان ؟
* * * لكنّ ربّه قيّض له المطعم بن عديّ ، كما قيّضه يوم نَقْض الصحيفة ، فخرج وأهله فأحاطوه به حتّى دخل المسجد يطوف وهم حوله في السلاح !
وأقبل أبو سفيان يسرع وقد دهش كيف تأتّى لمحمد أن يقتحم هكذا بلدتهم تحت السمع والبصر لا يناله من أحد شرّ ! ! فلمّا رأى المطعم سأله : أتابع أم مجير ؟
قال المطعم : بل مجير .
- إذن لا تخفر !
وخرس الزارون !
فأيّ شيءٍ أخلق بأن يبهر العقول ويحيّر الألباب من تصريف ربّك الأُمور على غير ما يقضي به منطق الأحداث ، وبلا بشائر ولا مقدّمات تنبئ عن الخواتيم ؟
وأيّ مسلكٍ أعجب من موقف المطعم هذا ، يخرج على إجماع قومه ، ويحمي الرسول بنفسه وأهله ، فيسلّ دونه مشرعات السيوف - لو دعت الحال لقتال -
هامش
( 1 ) . راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 210 وما بعده ، ذكر سبب خروج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الطائف .