تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
يقيمون صلبه ثم يقهرونه على المشي وإن تخاذلت قواه ، والتوت تحته رجلاه ! ! كان كلّ همّهم أن يضعوه دائماً في مرمى الأحجار ، أن يذيقوه الإذلال ، أن يتلذّذوا بما يعانيه . وأثخنته الجروح ، واحمرّت الأرض ، واختضبت نعلاه . . . فما كان يسير إلَّاعلى دمه المهراق « 1 » . وعندما قيّض « 2 » اللَّه له أن يبلغ نهاية طريق العذاب ، وفترت عنه حدّة المحنة ، وقف مليّاً يلتقط أنفاسه ، ثم رفع يديه إلى السماء ، وهو غارق من قمة رأسه إلى أَخْمَصَيه في الدم والعرق والتراب ، متّجهاً إلى اللَّه يستصرخه ويستعينه على بلواه . وكان نشيد المناجاة الذي انطلق به قلبه من طرف لسانه داعياً ضارعاً ، في خشوع واسترحام : « اللّهم إليك أشكو ضعف قوّتي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين ! أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيدٍ يتجهّمني ، أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أُبالي ، لكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوّة إلَّابك » . فأيّ نشيد ! إنّه لغناء في اللَّه ! ديباجة « 3 » نُسِجت من ذوب القلب وصفاء الروح ، اللحمة من غزل الألم العبقري ، ومن خيوط أشعّة الإيمان السداة . وأكثر ما يكون الإنسان قريباً من ربّه ساعة المحنة والبلاء ، فإن تكن غمّة تنزل بامرئٍ وتطبق عليه ، فليس ثمّة عندئذٍ من مفزعٍ له إلى لطف الرحمن ، هو أهدى سبيلًا وأقوم من هذا النشيد النبوي العذب ، الذي صيغت كلماته وحروفه من ضياء اليقين .
هامش
( 1 ) . المهراق : المصبوب ، المُراق . ( 2 ) . قيّضه له : هيّأه له ، وأتاحه له . ( 3 ) . الديباجة : الثوب الذي سداه ولحمته حرير .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 274 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود