إليهم يصرخ فيهم :
« أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ »
« 1 » فكان له من عدوانهم نصيب .
فهل حسب القوم أنّ هذا الذي فعلوه رادّه عن طريقه ؟ أو منتقص عشر معشار عزمه ؟
بل إنّه ليزيدنّه تصميماً إلى تصميم ، ويرفعنّ قدره إلى أعلى مراتب التشريف ، فيما يخسّ الذهب إذ تضعه في النار ، وما من نبيٍّ قبله إلَّاأُوذي في اللَّه .
ولقد صدق من قال :
لا تخل جانب النبي مضاما * حينَ مسَّتْهُ منهم الأسواءُ
كلُّ أمرٍ نابَ النبيّينَ * فالشدّةُ فيهِ محمودةٌ والرَخَاءُ
لو يمسُّ النظارَ هونٌ من الن * - ارِ اختيرَ للنضار الصلاءُ « 2 » !
* * * أياماً عدداً ، غير قليلة ، قضاها الرسول بين ثقيف ، يطرق عليهم أبواب العقول والألباب ، فلا يُفتح له منها باب !
امتداداً لاضطهاد قريش ، وبأفظع ممّا تلقّته به ، لاقاه أبناء الطائف بالاستخفاف والتهكّم ، والمهانة والتحقير . . . كلّهم أقذعوا « 3 » له في الخطاب ، وكلّهم أعزقوه « 4 » بالضرّ ، بطشاً باليد تهجّماً وعدواناً ، وسوءاً في القال زرايةً وتجريحاً ، وليس بينهم رجل رشيد يكفه خلقه ، أو ينهاهم عن التمادي في الجور والشرّ ، ويدعوهم إلى الترفّع عن الصغار .
وكلّهم كانوا كأن في مباراةٍ ، يتنافسون فيها على مقام الصدارة ، إيّهم أسبق إليه بالمكروه ، وأقدر على الإيذاء ، وأقبح في بذاء الهجاء . . . لا فرق فيهم بين سيّد
هامش
( 1 ) . غافر : 28 .
( 2 ) . الصِلاء : الإلقاء في النار .
( 3 ) . قذعة واقذعه : رماه بالفحش وسبّه .
( 4 ) . أعزقوه : تعدّوا عليه .