ومسود ، أو قريب وغريب .
وعندما أيس منهم ، بعد طول المقام ، وهمّ بالرحيل ، نشدهم أن يكتموا عليه ما أصابوا منه ولا يذيعوه ، فلو أنّهم استجابوا له ، فلربّما خفي مسلكهم معه عن قريش فلا تشمت فيه ، ولا تحتذيهم فتفرط في التهجّم عليه كما لم يفرط قبلهم كفّار أثيم ، ولربّما كانت له بكتمانهم يد عنده ، جديرة بعرفانه وإن هم تجرّدوا - في حقيقة الواقع الأليم - من كلّ منّة ومكرمة ، وكانوا قوم سوء .
لكنّهم أبوا عليه هذا المطلب اليسير ، وطفقوا يطاردونه كالذئاب .
كانوا يتصايحون به في الدروب والأحياء ، أنَّى غدا أو راح : الصابئ ! الصابئ ! وهم يصفقون متضاحكين ، وقد طاب لهم أن يجعلوه ودينه مادة تندّر وعبث لئيم .
وعندما أيقنوا منه عزمه على مبارحة أرضهم ، أغروا به السفهاء من غلمانهم وعبدانهم وسفلتهم ، يلاحقونه بعربدتهم ، لكزاً وضرباً ، وسبّاً وعيباً ، ويتحلّقونه حلقةً ليمنعوه الانطلاق .
ثم تواقف العادون إلى جانبيه صفَّين ، إلى يمينٍ وشمالٍ ، على طريق العودة الطويل ، يرضخونه بالحجارة ، فإن أسرع ليتّقي الرجم ردّوه ، وإن وقف عيّاً وكلالةً دفعوه !
ولم يكن معه أحد غير زيد بن حارثة مولاه ، يحاول أن يترس دونه بجسده ، فلا يكون قصارى درئه عنه إلَّاأن يتقاسما الأذى أحياناً قسمةً ضيزى ، وأحياناً قسمة قسطاس !
لكنّ حظّ الرسول من عذابهم ذاك كان أوفر نصيب . . . إنّهم ليرشقونه بالحجارة فلا يخطئونه التصويب ، وإنّهم ليخصّونه من قسوتهم بما يزري بقسوة وحوش الفلاة .
فإذا أضناه الألم ، وبهظ « 1 » احتماله فناء ، وهوى إلى الأرض هوياً ، أو تماسك فاستند إلى جدارٍ من فرط الإعياء ، خفّ إليه منهم رجال أشدّاء فرفعوه من عضديه
هامش
( 1 ) . بهظه : أثقله الشيء فعجز عن حمله .