لقي بعض سادتهم ، فعرض عليهم الدين الحقّ ، فإذا هم يلقونه أسوأ لقاء ، وإذا هم منه يسخرون ! قال أحدهم بامتهان : أما وجد اللَّه أحداً يرسله غيرك ؟ !
ونأى آخر بجانبه ، وهو يرميه بالبهتان ، بكلمات غمّازة يجري سمّها مع اللعاب :
واللَّه لا أكلّمك أبداً ! لئن كنت رسولًا من عند اللَّه لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك ! وإن كنت كاذباً فما ينبغي لي أن أكلّمك !
أمّا ثالثهم - وكأنّه ثالثة الأثافي « 1 » التي تكمل للقدر ثباتها على النار لتسوية ما بها من طعام - فقد أكّد أن تصديقه مأكل فجّ نيء لا يسوغه مذاق ، وإنّما تكذيبه هو الطعام الأثير الذي بلغ غاية نضجه ، وطاب له ولقومه أجمعين !
قال ذلك الثالث باستهزاء : إني أمرط « 2 » ثياب الكعبة إن كان اللَّه أرسلك !
فقرن امتناناً بامتناع ! فكما أنّه ما كان ليمرط كسوة الكعبة ، كذلك لم يكن ليصدّق أبداً رسالة الرسول .
وعلى مثل هذا النحو الأحمق من التكذيب جرى سادة ثقيف ، وبخلاف ما تقضي به الأعراف من قري الغريب ، أبوا أن يضيّفوه فضلًا عن أن يساندوه !
أغلقوا دونه الأبواب ، جفوه كجفو السيل ما به من قذى ونفايات ، طردوه ! قالوا له : أُخرج من بلدنا والحق بأرضك !
حتّى أُميّة بن أبي الصلت شاعرهم المتبتّل « 3 » ، سار على نفس الدرب ، غير مبقٍ على إشراقة المعرفة التي ومضت أعواماً في أحناء قلبه كشررة ، حقداً وضغينةً رمى بعلمه وراء ظهره . . . كان طموحه أكبر من ملكاته ، وكان نكوصه يومئذٍ حسداً وغيرةً أن تقلّصت أمانيه التي عاش لها عمره الطويل ، وتبدّد حلمه أن يكون هو النبي المبعوث ! !
هامش
( 1 ) . الأثافي : جمع أُثفية : وهي ما يوضع عليها القِدْر .
( 2 ) . مَرَط الشيء : نتفه .
( 3 ) . المتبتّل : المتعبّد .