فعندما بدأ ساعد الدعوة يشتدّ بأنصارها الجدد « الغرباء » بعض اشتداد ، ومضت قريش تضاعف مساءتها للمسلمين حتّى الغلو ، رأى الرسول أن يخرج إلى الطائف داعياً ، لعلّ ربّه أن يجعل له فرجاً من هذا الخروج .
فالطائف أرض ثقيف ، وفي ثقيف رجال ذوو مكانات ، وجُهَاء الأحساب ، كُرَماء الأنساب ، وفيها رجال لهم عقل ومعرفة وحسن تبصّر بالأُمور ، وفيها رجال أُعلموا بالبيان .
وما أرى أصحاب محمد - عندما علموا بخروجه - إلَّاحسبوه عائداً من لدن القوم هؤلاء بصفقةٍ تعزّ الإسلام . . . وما أرى فاطمة إلَّاكانت في الحاسبين .
فهناك الحارث بن كِلدَة « 1 » زوج خالة أبيها ، وطبيب العرب الحكيم ، وإنّه لحريّ - إن لم تعطفه حكمته إلى الهدى - أن تعطفه إلى تأييد الدعوة أو الوقوف بجواره صلة قُرباه .
وهناك أُميّة بن أبي الصلت « 2 » ، الشاعر الذي تجاوبت أصداء شعره في الآفاق ، وعُرف بأنّه موحّد حنيف ، من أوائل المنكرين على قومهم شركهم ، فهجر الأوثان ، وقرأ الأديان ، ولزم ملّة إبراهيم ، وإنّها لأدنى إلى الإسلام أو هي بذرة الإسلام .
وهناك ، غير هذين ، سادة نُجُب من قادة الفكر الأمجاد . . . فلو أنّ النبي وجد في أحد الرجلين - أو كليهما - أُذناً سميعة ، لكان له ممّن وراءه سند وظهير .
* * * لكن ما وقع من ثقيف جميعاً خالف المتوقّع المأمول ، والطبيعي المعقول ! !
فلقد خذله الاثنان ، وتنكّر له العامة كما تنكّر الأشراف .
هامش
( 1 ) . الحارث بن كلدَة الثقفي ، طبيب العرب في عصره ، وأحد الحكماء المشهورين ، من أهل الطائف ، أخذالطب عن أهل فارس ، كما تعلّم الضرب على العود بفارس واليمن ، عاش حتّى أيام معاوية سنة 50 ه ( الأعلام 2 : 157 ) .
( 2 ) . أُمية بن عبداللَّه أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي ، قد تقدّم ذكره .