شدّ ظهره ، حشّد شرّه ، دفع بكلّ طغواه إلى معركةٍ فاصلةٍ يشنّها على حزب اللَّه ، فإمّا موت وإمّا حياة !
وحاقت بالهداة المهتدين الأهوال .
فما اشتطّت قريش في غلواء النكال كشططها إذ ذاك ، وما زُلزلت الأرض بالعذاب تحت أقدام أهل الإيمان كما زُلزلت في ذلك الأوان ، حتّى لأوشكت رجتّها أن تطرح بعضهم بعيداً بعيداً عن ثبات اليقين ، قريباً قريباً من الافتتان عن الدين .
وما أشفقت الزهراء على أبيها من ضغط المحن كإشفاقها عليه في تلك الآونة ، وإنّها لتراه - ممّا يصيبه به قومه - في كربٍ واصبٍ « 1 » ، وهمٍّ حازبٍ « 2 » ، وهوانٍ ليس بعده هوان .
آذاها أشدّ الأذى أن أسرفوا في عدوانهم عليه إلى أبعد آماد الإسراف ، هالها ظلمهم إيّاه ظلماً يجاوز حدود الخيال ، ويكاد يضاهي المحال .
فهو ظلم متخبّط الخطى كهرولة عشواء ، وهو مجنون الحركة كزُبانى « 3 » عقربٍ عمياء ، تطوّح « 4 » بهما على غير هدىً أينما تدبّ ، فتضرب في زحمة أو فراغ ، في أجساد حيّة أو في جماد ، فليس يعنيها ما الذي تصيب ، إنّما همّها أن تصيب ، فتلسع لتشبع نهمها بالإيذاء !
أفكان الذين ظلموا - من حقدهم - في سكرةٍ لا يفيقون ؟
إنّ غيّهم لبغيٌ ضلّيل ! وإنّ بغيهن لبغيٌّ مخبول !
في شرعة الخصام يبلغ جورهم أضعاف أضعاف ما قد يصطنعه أعتى خصيم ، وبمعاير الأحجام والأثقال ، تضيق عنه طاقة الظالم ، كما يفدح احتمال المظلوم
هامش
( 1 ) . الواصب : الدائم .
( 2 ) . الحازب : الشديد المتكثّر .
( 3 ) . زُبانى العقرب : ما تضرب به من طرف ذَنَبها ، وقيل : قرناها .
( 4 ) . طوّح بالشيء : يلوّح به .