كان ذلك والدعوة توغل في الخمس الأخير من أعوامها بمكة ، قبل أن يأذن اللَّه لنبيّه بالهجرة منها في اليوم المحسوب .
ومع ما لاح لها عندئذٍ من بشائر النجاح ، فما أحسب أنّ شعورها كلّه كان سكينة ، لكأنّي بها وفي دخيلتها قلق مترنّح « 1 » ، لا يفتأ يخز قلبها بمثل إبرة محمّاة .
فما أصابوه إلى يومهم هذا من مغنمٍ يقوّي جانب الدعوة ، كان كخطفة من وراء العيون ، قطفة ليس فيها الغناء ، إن هو ، من ثمر النصر ، إلَّاطلع كالبُسر « 2 » .
فالشوط حتّى غايتهم ما زال طويلًا دونه عقبات وعراقيل ، والجوّ مهما صفا فلابدّ أن يغيم ، وفي غصون الورود تنبت الأشواك .
وكذلك الكفاح !
إنّه لم يكن عيش دائماً على أرضٍ سهلةٍ ، مفروشةً بالزهور والرياحين ، كان أحياناً يدرج على عوسج « 3 » ، أحياناً ينحت بأظفاره مسالك في الصخر ، أحياناً يخوض اللهيب . . بل أتى عليه حين تعثّرت خلاله خطاه ، بل كاد يتوقّف عن السير ، بل لاح قدّامه وهو الخلف ، ووراؤه وهو الأمام !
* * * وعلى غير ما هو مأمول احتدمت « 4 » الأُمور ، انتكست مسيرة الأحداث ، تجهّمت الأيام فإذا هي أحرى بأن تعدّ في الحُسُوم « 5 » .
فلقد فطن الشرك للخطر الموشك أن يجتاحه لو ترك الدعوة تتسلّل تحت سمعه وبصره ، فصنع النكسة ، ثم استغلّ الظروف المحيطة أحسن استغلال .
هامش
( 1 ) . مترنّح : متمايل .
( 2 ) . البُسر : التمر قبل أن ينضج .
( 3 ) . العَوسَج : نبات له شوك .
( 4 ) . احتدم : اشتدّ .
( 5 ) . الحُسُوم : الشؤم .