لأنّها قامت بمحض الاختيار ، وبلا إكراه ولا إجبار ، على أساس تعاقد سليم ، توافرت فيه شرائط صحّة العقود ، من عرضٍ وقبولٍ وشهادة شهود .
فاللَّه قد عرض ، والبشر قد قبلوا العرض ، ثم شهدوا على أنفسهم بقبول المعروض .
وسُجِّلت عليهم شهادتهم هذه حجّةً وثيقةً :
« أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ »
« 1 »
.
أو ليسوا بمبطلين ؟
* * * لا ريب قد فسق رؤوس الكفر من قريش عن أمر ربّك ، وباتوا في الغاوين . . .
نفضوا الميثاق ، مزّقوا العقد الذي أبرموه ، اختاروا لأنفسهم النكث ، ثم أبوا إلَّاأن يفرضوه على غيرهم ، أو حاولوا أن يفرضوه .
لكنّ الدعوة نشطت وأُنوفهم في الرَغَام « 2 » ، قفزت من فوق أسوار الشرك لتنزل منازل مكينة بقلوب أُناس اهتدوا من أهل القرى والأطراف ، ما قرب منها أو نأى عن البلدة الحرام ، وضعت قدميها على بداية طريق الانتشار .
خطوة خطوة انطلقت في السير ، رنوة رنوة « 3 » راحت تتطلّع إلى يثرب كملاذ آمن ، وتتّخذها في يومٍ آتٍ نقطة للأُثوب « 4 » .
لحظة لحظة ، كانت فاطمة تتابع تقدّمها نحو غدها المظفّر الموعود ، وكلّها رجاء .
دلّها قلبها على وشك تقلّص ظلال الهموم . . . فالفرج قريب ، والنصر قدر محتوم ، والعقبى للمؤمنين .
هامش
( 1 ) . الأعراف : 172 - 173 .
( 2 ) . الرَغَام : التراب ، الوحل .
( 3 ) . الرنوة : النظرة .
( 4 ) . الأُثوب : الانطلاق .