هذه حقيقة ، كفلق الصبح ، ليست بمثار خلاف .
يؤكّدها من الوجهة العلمية كلّ الدراسات الإنسانية التي أسفرت عن ظاهرة اجتماعية ثابتة ، تقرّر أنّ أبناء المجتمعات البدائية المنعزلة عن المدينة ، ينزعون - تلقائياً - إلى التديّن .
ويؤكّدها من الناحية الروحية : أنّ أولئك البدائيّين يؤمنون - فطرياً - بقوّةٍ عُليا خالقية ، تتبدى لهم في الآيات الكونية ، وفي أنفسهم . . . ولها وحدها السيطرة عليهم وعلى جميع القوى الطبيعية ، سواء منها ما يهب الخير وما يقذف بالضرّ وإن هم اختلفوا فيما بينهم في وسائل تعبيرهم عن هذا الإيمان .
فكلّ مولودٍ - كما يقول الرسول - يُولد على الفطرة « 1 » ، والفطرة هي معرفة الإنسان أنّ اللَّه هو خالقه ، فله وحده عليه حقّ المالك على المملوك ، والواجد على الموجود .
ثم يؤكّد هذه الحقيقة - دينياً - تلك الآيات التي ترسم لنا صورةً حيّةً للعلاقة بين الربّ والمربوبين ، يقول تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا »
« 2 »
.
وكذلك يثبت أنّ معرفة القوة الخالقية الربانية - وإنّها لحقيقة بديهية - مستقرّة في النفس البشرية ، تعلو بوجودها فوق براعة المجادلة ، وسفسطة « 3 » الخوار ، واجتهاد التأويل ، فضلًا عن جحود الإنكار .
بل هي أيضاً - بحكم الأعراف والشرائع والقوانين الوضعية - ذات سلطانٍ ملزمٍ ،
هامش
( 1 ) . ولفظ الحديث « ما من مولود إلَّايولد على الفطر ، فأبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو يمجّسانه » أخرجهالبخاري 1 : 456 كتاب الجنائز ب 78 ح 1292 و 1293 .
( 2 ) . الأعراف : 172 .
( 3 ) . السَفْسَطة : هو مصطلح يُراد به الاستدلال والقياس الباطل ، يُقصد منه التمويه وتضليل الحقائق ومنهالسفسطائية ، وهم فرقة ينكرون الحسّيات والبديهيات معاً ، ويتوسّلون بجملة وسائل استدلالية لغرض قلب الحقائق والتمويه عنها .