تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
عندئذٍ هجس بصدر الزهراء أنّ مكثها بمكة موقوت . فما جرى بين النبي وبين تلكم الطائفة من وافدي يثرب ، ليس يعني شيئاً سوى حَتم الرحيل إلى ذلك البلد الذي فتح له أصحابه بابه على مصراعيه ، وما بدا من نقاء سلائق أُولئك الوافدين يؤكّد أنّهم خير أهلٍ لاحتضان الدين . فهل قُضي أن تهجر مستقرّ الكعبة ، وتبرح منزل الذكريات ؟ وتبعد عن الثرى الطيّب الذي ثوت إليه الغالية خديجة ؟ لسوف إذن تألم ، وتعيش في تيهٍ من الحنين بلا آخر . ولكنّها أيضاً - وإن شقيت بالبُعد - ستسعد إذ يلجأ أبوها الحبيب بيثرب إلى جُنّةٍ حصينةٍ ، وقلعة أمان . فالسعادة والشقاء في هذه الحياة جاران ، الشقاء في طرفه سعادة ، والسعادة في طرفها شقاء . . تماماً كالظُلمة والنور ، كالليل والنهار . ولقد أوشك الرسول أن يبلغ بكفاحه أقصى أطراف طريق العُسرى والضيق ، أفما أنى أن يبلغ اليسرى والانفراج ؟ بلى قد آن ! فهناك تتحرّر حركته من حصار الاضطهاد ، فلا يؤوده أن يشرّق بالدعوة ويغرّب كيف يشاء ، ولا يستعصي عليه اجتذاب النصير والظهير ، ولا يعضله ابتعاث الفطرة في قلوب الناس ، نقيّةً من أدران « 1 » الغيّ ، صافيةً من أوشاب « 2 » الخرافة ، سليمةً كما برأها اللَّه . فالإيمان بالخالق بذرة نورانية ، أودعها سبحانه في نفوس البشر كافّة من قبل أن يكتسوا ثياب الأجساد ، ويتخلّقوا آدميّين أسوياء ، لولا أنّ فريقاً منهم رانوا عليها بصدأ الأهواء .
هامش
( 1 ) . الأدران : جمع درن ، وهو الوسخ . ( 2 ) . الأوشاب : جمع شائبة ، وهي القذر والدنس .
في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 263 | شوقي محمد / عبد الفتاح عبد المقصود