وما نحسب نظرتها هذه إلَّاكانت قائمة على أساس استقرائها الدقيق للوقائع المجرّدة ، واستشراقها حقائق الأُمور ، وليس استناداً إلى التمنّي وحدس الشعور .
وأصابت . . . فالدعوة عندئذٍ كانت قد جاوزت مرحلة الخفية والتبشيرالمستور ، ثم تعدّت حدود مرحلة المقاومة السلبية ، التي فرضت على الكثيرين من أبنائها الانتشار في أرض اللَّه ، نأياً « 1 » بأنفسهم عن مراكز الاضطهاد ، وفراراً بدينهم إلى ملاذٍ آمن ، كبلاد الأحباش .
ثم شرعت الآن في دخول مرحلة أخرى هي المقاومة الإيجابية ، والعمل الفعّال ، الذي يتهيّأ للردّ ضربة بضربة ، والكيل صاعاً بصاع وإن لم تكن قد أُمرت بعد بإشهار السلاح .
حدث هذا عندما نزل مكة ستة نفر من الخزرج عند العقبة ، وأقبل محمد عليهم يدعوهم إلى الدين . . . وجلس يحدّثهم ، ويبيّن لهم ، وجلسوا يصغون . . . وعرفوه .
ومال بعضهم على بعض يتسارّون : إنّه النبي الذي توعّدكم به يهود ، فلا تسبقنّكم إليه .
وأقبلوا عليه : قد عرفناك ، وآمنّا بك ، وصدّقناك . . . فمرنا بأمرك .
وأسلموا على يديه ، ثم دعوه للارتحال معهم إلى بلدتهم ، لعلّ اللَّه أن يمحو به ما بين قومهم بعضهم وبعض من العداوة ، فيكون لهم به اجتماع الكلمة ، وتكون له بهم المنعة .
لكنّه قال : « حتّى يأذن لي ربّي » .
وودّعوه على موعد في الموسم المقبل ، ووعدوه بثّ دعوة الحقّ حتّى اللقاء . . .
فلم يبق بيثرب بيت إلَّاكان به ذكر الرسول .
هامش
( 1 ) . نأى نأياً : ابتعد ابتعاداً .