وما غاب من المرائي والمسموعات عن أدوات حسّها الظاهرة ، لم يكن ليغيب عن ملكات نفسها الباطنة ، أو يدقّ على ما جبلت عليه من رهف الشعور ، وصفاء الوجدان .
ولولا أنّها كانت وما هي عليه من طبيعتها الأنثوية الرؤوم ، التي ثبّتت أباها ، ومحضته الرعاية ، وآثرته بما يزدخر قلبها به من الحبّ ، إذن لخرجت صباح كلّ يوم من الدار ، تسعى معه في الأسواق ، داعيةً بدعوته ، دافعةً عنه بالكلمة والناب والمخلب ما يناله به عدوّه اللئيم من سطو الألسن وبطش الأكفّ ، دفع إناث الأُسود الضواري عن أشبالها الصغار .
لكنّها ظلّت وما هيّئت له .
بكلّ الرجاء ، وكلّ الخوف ، وكلّ الاهتمام ، كانت تتابع الوقائع وهي تترى سراعاً فوق رقعة النضال ، مع كرّ الأيام ، فلا تكاد ترى منها إلَّاحصيلة الإسلام في قوائم الربح والخسارة ، وتوالي موجاته المتلاحقة وهي تسجّل مدّه وانحساره .
وكان بيّناً لها أنّه لم يعد ثمّة خسار ، بل بدت الدعوة أصلب عوداً ، وأشدّ ثباتاً ، وأقدر على مواجهة هبات الريح بل عصفات « 1 » الأعاصير .
وإذا كانت الأحداث دلّت على أنّ الرسول - بالصبر والصلابة والجهد الذي يفدح العصبة أُولي العزائم ، وتخرّ له الجبال دكّاً - قد استطاع ، يوماً يوماً ، وساعةً ساعةً ، أن يقتلع من تربة الشرك القشفاء « 2 » رجلًا من هنا كان غائصاً في حمأة « 3 » الضلالة حتى أُذنيه ، ورجلًا آخر مثله من هناك ، فإنَّ الزهراء لاحت أدنى إلى أن تكون أكثر تفتّحاً للأمل منها للقنوط ، وأعظم تفاؤلًا بالغد المقبل منها بالأمس المدبر ، وأرسخ ثقةً اليوم بقرب انتصار الإسلام منها فيما مضى من أيام .
هامش
( 1 ) . عصفات : اشتداد .
( 2 ) . التربة القشفاء : المتغيّرة اللون لسببٍ ما .
( 3 ) . الحَمْأة : الطين الأسود .