وكان « ضمّاد » في الأزد ذا مكانةٍ روحيةٍ ، تعلو به في عين الكبير والصغير .
فقد اشتهر عنه أنّه على جليّةٍ من بعض المعارف الغيبية التي يعدها الناس في الخوارق ، إذ هي سحر أو كالسحر تدقّ على الأفهام والعقول ، وتشرف بشاهدها وحاضرها على حيرةٍ تسلّم إلى الانبهار والذهول ، وهو صاحب علم بدُنى الجان ، وهو قادر على اصطناع الرقى التي تُشفي اللُمَم « 1 » ، وتُذهب بمسّ الشياطين .
وقالت قريش فيما قالت لضمّاد : إنّ محمداً مجنون !
فلم يدفعه قولها عنه ، بل زاده رغبةً في لقائه ، فخاطب نفسه : لو أنّي رأيت هذا الرجل لعلّ اللَّه أن يشفيه على يدي !
يروي ضمّاد : فأتيته ، فقلت : يا محمد ، إنّي أُرقي من الريح « 2 » ، فإنّ اللَّه يشفي على يديّ من يشاء ، فهل لك ؟
فقال رسول اللَّه : « إنّ الحمد للَّهنحمده ونستعينه ، من يهد اللَّه فلا مضلٍّ له ، ومن يضلل فلا هادي له . . . » .
ومضى النبي يحدّثه ، والرجل مأخوذ بالحديث ، كلّما كفّ محمد عنه استعاده :
أعد عليَّ كلماتك هؤلاء .
حتّى إذا بلغ من حديث محدّثه مشتهاه ، اطمأنّ قلبه بالإيمان ، وقال : لقد سمعت قول الكَهَنَة ، وقول السَحَرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، هات يداك أبايعك على الإسلام .
فبايعه ، وقال : « وعلى قومك ؟ » .
قال ضمّاد : وعلى قومي يا رسول اللَّه . . ، وعاد إلى قبيله يدعو إلى الدين الجديد « 3 » .
* * *
هامش
( 1 ) . اللُمَم : جمع لمّة ، وهو الجنون .
( 2 ) . الريح : مسّ الجنّ .
( 3 ) . راجع أُسد الغابة 3 : 42 .