فلم تعد تحبس كلّ السمك وإن هي حبست منه بعضه ممّا أُوتي غلظ الأحجام وبسطة الأجسام !
وما حاجة محمد إلى هؤلاء الكبار وإنّهم لأشدّ ضلالًا ، وأخفّ عقولًا ، وأفحش قالًا ، وألصق بجهالة أسلافهم الغاوين ؟
ذهب اللَّه بنورهم وتركهم في ظُلُماتٍ لا يبصرون
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ »
« 1 »
.
وها هي الأيام تشهد نفراً من سادة العرب ، وذوي العلم ، قد عرفوا الطريق إلى اللَّه ، وخاب دون ليّهم « 2 » عن المحجّة البيضاء كلّ ما فرط إليهم من وسوسة أبالسة قريش وهمزات الشياطين .
وفد الطُفَيل بن عمرو الأوسي على مكة من اليمن ، فأسرع إليه أشياخ الشرك - كدأبهم - يحولون بينه وبين الرسول ، ويزيّفون له ما يثنيه عن لقائه ، ويزهّده فيه .
فالرجل شاعر لبيب ، وهو في قومه شريف مطاع ، وسماعه من محمد قد يفسد أمرهم عليهم ، ويؤدّي إلى ما يكرهون .
قالوا له : يا طفيل ، إنّك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرّق جماعتنا ، وشتّت أمرنا ، وإنّما قوله كالسحر ، يفرّق بين الرجل وأبيه ، والرجل وأخيه ، والرجل وزوجه .
ثم نصحوه : وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا به ، فلا تكلّمنّه ، ولا تسمعنّ منه .
وظلّوا ينفثون في روعه من دعاواهم ، حتّى صغا إليهم ، ووعدهم أن يكون كما يشاؤون .
لكنّه ما لبث أن راجع نفسه . . . أفيهدر فطنته ؟ أم يتنكّر لأدب الأديب فيه ؟ أم يُقاد
هامش
( 1 ) . البقرة : 18 .
( 2 ) . الليّ : الإعراض والصدّ عن الشيء .