تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في نور محمد فاطمه الزهراء — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
كالمطية الذلُول إلى حيث يُراد له أن يُقاد ، لا إلى حيث يريد ؟ وأبى أن يطمس عقله ، ويهوّن على نفسه هذا الهوان ، فإن هو إلَّاأن حانت فرصة حتّى انطلق إلى محمد بداره ، يسمع منه ، فيعلم أأوهموه أم صدقوه . قال له : يا محمد ، إنّ قومك ما برحوا يخوّفونني أمرك حتّى سددتُ أُذنيَّ بكُرسُفٍ « 1 » لئلّا أسمع قولك ، ثم أبى اللَّه إلَّاأن يسمعني ، فسمعت قولًا حسناً ، فاعرض عليَّ أمرك « 2 » . ذلك أنّ المصادفة ساقته مرّة إلى المسجد ومحمد يصلّي ويتلو بعض آيات القرآن ، فتذوّق فيها - بحسّه الشاعري - حلاوةً لم يذق مثلها في غيره من كلامٍ تردّد على ألسنة عمالقة الشعراء وأعلام البلاغة والبيان ، وأقبل على الرسول يصغي بكلّ سمعه إلى سرّ ما وقع بينه وبين قريش من خلاف ، ثم أقبل بكلّ عقله يتفهّم معنى الإسلام ، ثم أقبل بكلّ كيانه يتحسّس ما يتلى عليه من قرآن . فما أن سكت محمد ، حتّى أحسّ الطُفَيل أنّه لا يكاد يجد لجسمه ثقلًا ، كأنّما تحوّل إلى نور ، وأشرفت عيناه ، وفاض دمعه وهو ينطق كلمة الإيمان ، ثم قال : يا نبي اللَّه ، إنّي امرؤ مطاع في قومي ، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام . ولم يفلح كيد الكفّار . * * * وبمثل ما استقبل المشركون الطُفَيل ، درجوا على استقبال كلّ وافدٍ إلى البلدة الحرام . نزل مكة من أزدشنوءة « ضمّاد » الأزدي ، فأسرع إليه سفهاء قريش يقدّمون بين يديه العيب في محمد ، والإزراء عليه ، ما اتّسعت لهم لغة القدح والهجاء ، لعلّهم ينفّرونه منه ، ويباعدون بينه وبين الدعوة الإسلامية أن تروقه ، فيبلّغها قومه ، وتكون الطامّة .
هامش
( 1 ) . الكُرسُف : القطن . ( 2 ) . راجع أُسد الغابة في معرفة الصحابة 3 : 54 ، سيرة ابن هشام 1 : 382 وفيهما : « الدوسي » بدل « الأوسي » .